whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

فلسطين فرنسيّةً/ في خطاب «ما بعد الاستعماري»

لعلّ أخطر سؤال يطرحه علينا العدد الخاصّ الذي خصّصته جريدة «لومانيتي» الفرنسيّة، لنصرة غزّة ـ ولم أجد من اهتمّ به منّا نحن العرب ـ : أيّ صنف من البشر هؤلاء الذين يرتكبون جرائمهم بكلّ برودة دم؟ وهل ثمّة ما يستدعي التأكّد من أنّ انسانا مثلنا من لحم ودم ـ يقبل أن تقرّ عينه، لمجرّد أنّ جريمته تجد في قوى الهيمنة العالميّة من يبرّرها، ويحمل المسؤوليّة عنها ـ هو «شبح إنسان» لا أكثر ولا أقلّ؟
يذكّرنا باتريك لو هياريك مدير الجريدة، بأنّ ضحايا الجيش الإسرائيلي؛ وهو خامس قوّة عسكريّة في العالم، هم: 2143 شهيدا فلسطينيّا من بينهم 577 طفلا، و11230 جريحا، من بينهم 3374 طفلا، وأنّ عدد المباني المهدّمة 11000 والمساكن 46000 والمدارس الفلسطينيّة 141 ومدارس الأمم المتّحدة 136، والمستشفيات 17… وهذه جريمة حرب يجب أن يُحاكم عليها مرتكبوها كما يقول الكاتب. حقّا إلى أيّ حدّ يظلّ المجرم الذي ربح «الخلاص» سيّد ضحكته؟ إنّ هذا العدد من «لومانيتي» جدير بأن يُقرأ، لا لمحتواه فحسب ؛ ويصعب أن يُعرض في خطف كالنبض ـ وإنّما لأنّه يحفزنا أيضا إلى إعادة قراءة خطاب «ما بعد الاستعماري» وما يتعلّق به من قضايا الهيمنة التي صارت تستدعي تحليلا من نوع مختلف؛ وخاصّة في هذه المرحلة التي لا تزال معالمها غامضة بعض الشيء.
في هذا العدد يحضر الفنّ بقوّة، فهناك 25 ملصقا من أشكال ورسوم وتعابير خطيّة من أجل غزّة؛ أنجزها رسّامون وراسِمون بارعون، من بلدان مختلفة من فلسطين ولبنان وتركيا وإيران والأرجنتين والولايات المتّحدة الأمريكيّة وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا، حتى من اسرائيل. وقد كتب توماس لومانتيو:»من أجل مواجهة جرائم الحرب في غزّة واحتلال فلسطين، نتوجّه إلى الإنسانيّة كلّها؛ بهذه الملصقات.. فقد توقّف إطلاق النار، ولكنّ التضامن لا يتوقّف…» ورسم الكاتب والسيناريست دافيد بنيتو بورتريه للفلسطينيّة فرح بكر ابنة 16 ربيعا التي كتبت في صفحتها:»عشت، منذ ولادتي ثلاث حروب، وأقدّر أنّ هذا كافٍ… كان حلمي أثناء الحرب، أن أبقى على قيد الحياة. وأظنّ أنّ الحرب يمكن أن تندلع في أيّة لحظة، وتقتلني. وعليه فأنا أفضّل أن لا أتخيّل مستقبلي البتّة».
سؤالنا ونحن نقرأ هذا العدد، ونسرح بعيدا إلى غزّة والمستوطنات التي تسيّج فلسطين، والصمت الفادح عن هذه الجرائم المروّعة التي ارتكبت بحقّ الفلسطينيّين: هل ثمّة حقّا فرق بين «الهيمنة» وخطاب الاستعمار التقليدي الذي بلورته الثقافة الغربيّة منذ القرن التاسع عشر؟ فقد سعى هذا الخطاب، من خلال منجز ثقافي متنوّع، إلى تمثّل شتّى التوجّهات الاستعماريّة التي حكمت أوروبا خاصّة، ووسمت موقفها من العالم الواقع على أطرافها أو خارج نطاقها. وفي هذا الرأي كثير من الحقّ، فالخطاب الاستعماري يعود اليوم بقوّة، بل لعلّه لم يضمحلّ كما كان يتوهّم آباؤنا منذ حصول بلداننا في الخمسينيات والستينيات على استقلالها، أو كما صرنا نحن نتوهّم. ومن ثمّة فإنّ فرضيّة «الما بعد» لا مسوّغ لها ولا أساس. وهذا من شأنه أن يحفز المفكّرين والمثقفين العرب، وخاصّة أهل الاختصاص منهم ، إلى إعادة قراءة أعمال رائدة، وأكثرها قريب العهد بنا؛ وضعت أسس البحث في الخطاب الاستعماري، وأصوله، مثل أعمال غرامشي وفوكو وبعض فلاسفة فرانكفورت مثل أدورنو ووالتر بنجامين، والأنكليزي روبرت يونغ الذي ينقد الماركسيّة نقدا لاذعا في كتابه «أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب». وقد أبرز تورّط ماركس وهو فيلسوف لا أحد ينكر أثره الكبير في القرن العشرين، في هذا الخطاب الاستعماري حين زعم أنّ الاستعمار البريطاني للهند؛ كانت له أيادٍ بيضاء على هذا البلد، إذ أقحم الهند في مساق التاريخ الغربي المتطوّر. وربّما وجد البعض في مثل هذه المقولات التي كان كثير من الغربيّين يبرّرون بها احتلال فلسطين، استمرارا للخطاب الهيغلي الذي يزعم أنّ «أفريقيا قارّة بلا تاريخ.» ويونغ نفسه يرى أنّ خطاب الفيلسوف الألماني لا يزال يهيمن على مجمل الثقافة الغربيّة، في مقاربتها للآخر الذي يُختزل في منظومة الذات الغربيّة، ويُدرج في صيرورتها. وهذا ما أوضحه المفكّر الفذّ إدوارد سعيد في كتابه الرائد «الاستشراق»، حتّى أنّ البعض يعدّه ـ عن حقّ ـ فاتحة حقل من البحث العلمي في الخطاب الاستعماري. فهو إضافة نوعيّة لكتاب فرانتز فانون نصير الثورة الجزائريّة، الموسوم بـ» المعذّبون في الأرض»(1961). وقد حلّل هذا الخطاب، وبيّن كيف يستنزف الاستعمار العمق الحضاري للشعوب المستعمرة، ويخرّب حاضرها وماضيها، وبالتالي مستقبلها.
إنّ هذا العدد من «لومانيتي» بأقلام المستنيرين منّا ومنهم، يؤكّد حاجتنا إلى مثل هذه النزعة الإنسانيّة الجديدة التي يمكن أن تساهم في «فكّ عقدة النقص التاريخيّة في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركّب العظمة لدى الآخر الغربي، بتحويله من ذات دارسٍ إلى موضوع مدروس». ولعلّ مؤلّفات الراحل عبد الوهّاب المسيري المتعلّقة بالصهيونيّة؛ خير دليل لهذا الاتجاه، خاصّة أنّ الإيديولوجيا الصهيونيّة نموذج للنسق الحضاري الغربي، بشتّى أبعاده الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. لكن إلامَ سنحتفظ بأسطورة زوس «هو الذي خلق الآلهة من ابتساماته، وخلق البشر من دموعه؟».
l’Humanité, numéro spécial “Gaza le symbole meurtri de la Palestine»
بمشاركة جمعيّة التضامن فرنسا/فلسطين وجمعيّة النجدة الشعبيّة الفرنسيّة. ويقتطع من كلّ عدد يباع 2 أورو لفائدة أطفال غزّة
كاتب تونسي

منصف الوهايبي