< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

شوارِعُ السِّياسَة

ليست الثَّقافةُ صَدًى للسياسة، ولا هي اسْتِرْجاع لِصَوْتٍ، هو، في أصله، صَدًى للثقافة نفسها، التي كانت، دائماً، هي النواة الصَّلْبَة، لكل عمل، أو فعل سياسيّ.
لا يمكن لِمَن يعمل في حقل السياسة، أن يكون رَجُل تكتيكاتٍ، أو تدبير للشأن السياسي، دون أن يكون صاحب وعي ثقافيّ.
فالسياسة، دون هذا الوعي، هي سلاحٌ ينقلب على صاحبه، الذي سيكون مثل الأعمى الذي كان، حين يعبُر الشَّارع نفسَه، يحسب عدد خَطَواتِه، أي في ما أصبح عنده بمثابة العادة، دون أن يُدْرِك أن أي تعديل في مسافة العُبور هذه، قد يُعَرِّضه للخطر، لأنه قد يجد نفسَه واقفاً في مكان، اعْتَقَدَ، دائماً، أنَّه نهاية الطريق.
الثقافة، لا تعني الأدب، فقط، بل إنَّها تعني المعرفة في شموليتها، وأعني، هنا، بشكل خاص، العلوم الإنسانية، التي هي الضوء الذي يقودنا نحو التفكير، ونحو امتلاك أدوات التحليل والقراءة، واكتساب الخبرات والتَّجارب، والاستعانة بالمفاهيم التي هي مفاتيحٌ للأبواب المُغْلَقَة.
لا يمكن لمن يحترف السياسة، أو يُدَرِّس علومَها، أو يَدَّعِيها، أو يكون على غير صلة بعلم الاجتماع، وبالأنتربولوجية، وبالدراسات النفسية، وبعلوم اللغة المختلفة، ومنها بشكل خاص، اللسانيات، والسيميولوجيا، وغيرها، مما أصبح بين آليات التحليل والتفكيك، بما في ذلك بعض مباديء العلوم الحقَّة، أو الصِّرْفَة.
فأنا لا أتصوَّر السياسة، أيضاً، بدون تاريخ، أعني المعرفة بالتاريخ البشري، بما فيه التاريخ العربي.
فالتاريخ، هو مَنْجَم معارف، وتجارب، وهو معرفة بالسياسة نفسها، من خلال تجارب الشعوب والأمم، ومن خلال الأحداث التي قد تكون ذات صلة بما يجري في تاريخنا الراهن، أو هي امتداد لها، أو أنَّها تعود، في بعض بنياتها، لهذا التاريخ، أو لِما جرى فيه من أحداث ووقائع.
ولن أنسى، في هذا السياق، الفكر أو الفلسفة، التي هي التفكير بالعقل وبالمنطق، وهي التأمُّل، والتساؤل، والمُراجعة، والنقد، وإذا كانت السياسة، في جوهرها، أو في معناها «الأيديولوجي»، هي نوع من المُراوَغَة، وتحريف المعاني والحقائق، أو تزييفها، فالثقافة، بهذا المعنى الذي ذَهَبْتُ إليه، أو في بُعْدِها المعرفي، هي فَضْح هذا التَّزييف، واستعادة المعاني والحقائق، أو مراجعتها، في ضوء النقد، والمُساءلة، ووضعها في محك العقل.
لعل ما يعيشُه العالم اليوم من أزمات سياسية، هو ناتجٌ عن هذا الفقر الذي اعْتَرَى المشتغلين بالسياسة، أو من يعتقدون أنَّهم احْتَرَفُوا السياسة، دون أن يُدْرِكُوا، أنَّ السياسة، لا تَصِحّ دون وعي سياسي، أو بالأحرى، دون وعي ثقافي.
ماركس، وأنجلز، ولينين، وماو تسي تونغ، وغرامشي، بغض النظر عن طبيعة الاختلافات الموجودة بينهم، وما يمكن أن نصدُر عنه من أحكام، تُجاهَ كل واحدٍ منهم، كانوا مثقفين، وأصحاب نظر، وكانوا على معرفة بالسياسة من خلال التاريخ، ومن خلال النظريات السياسية، وما كان يجري في المجتمع من تحوُّلات، وهذا ما حدا بكل واحد من هؤلاء، أن يكون صاحب نظرية، ورؤيته للعالم، كانت رؤية محكومة بوعي معرفي، قبل أن تكون نضالاً، بدون نظرية سياسية، أو وعي فكري.
لا سياسةَ بدون ثقافة ومعرفة، من يدخل السياسة من باب الدين، أو من باب النضال السياسي، بمعناه الحزبي، دون وعي سياسي، أو دون أداة معرفية تُؤطِّر وعيه، ورؤيتَه، سيكون، بالذات، هو ذلك الأعمَى، الذي لم يكن يُدْرِك أنَّ مسافةَ الشارع التي تعوَّد على قطعها بحكم العادة، لم تعد هي نفس المسافة، لأنَّ الضرورة اقْتَضَت توسيع الشارع، ليجد هذا صاحبُنا هذا نفسَه، واقفاً في منتصف شارعٍ، لم يعد هو الشارع نفسُه الذي عَبَرَه قبل توسيعه.
* كاتب مغربي

صـلاح بوسـريف*