< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

رضوى عاشور القادمة

نادرا ما تحتشد خمس صفات على الأقل وبجدارة في رجل أو امرأة، لكنها احتشدت بجدلية فذّة في رضوى عاشور، الروائية والأكاديمية والناقدة والناشطة السياسية والإنسانة، ومن له هذه الصفات قادم وليس راحلا، ولا يليق به وداع تقليدي كالذي دأبت عليه ثقافتنا وحوّلته إلى طقس موسمي، وقد استوقفني ما سمعته من الروائي والكاتب يوسف القعيد، فور الإعلان عن الوعكة التي ألمّت برضوى، لأن المبدعين لا يموتون تماما ويفيضون عن مساحة توابيتهم وقبورهم، قال يوسف: إن النقاد شعروا بأن رضوى عاشور كانت من قبيلتهم، ثم أدارت لهم الظهر وقررت الإبداع، وما أعرفه منذ التقيت رضوى والصديق الشاعر مريد البرغوثي قبل أربعة عقود هو أن رضوى عاشور بدأت تكتب القصة وتنحاز بما لديها من موهبة إلى الإبداع اكثر من النقد، لكن حساسيتها النقدية وثقافتها لم تُشعرها بالارتياح عمّا كتبت في بواكيرها، وحكاية النقد وقبائله التي أشار اليها يوسف القعيد تطول ولها مقام آخر.
لأعترف بدءا بأن كتابها عن غسّان كنفاني «الطريق إلى الخيمة الأخرى» كان اجتراحا لأفق آخر غير ذلك الأفق المطروق، الذي اختُزلت فيه المقاومة إلى بُعدٍ واحد، وكانت ملاحظاتها عن رواية «أم سعد» جديرة بأن يعيد الكثير ممن كتبوا عن غسّان النظر في النتائج الحاسمة التي انتهوا اليها.
وحين كَتَبَتْ «التابع ينهض»، بعد استقراء وليس قراءة فقط للأدب الأفريقي كانت تكشف جانبا مهما من المسكوت عنه ثقافيا وسياسيا في القارة المنكوبة، وكتابها «قطعة من أوروبا» رؤية مشوبة بقدر من السخرية من ذلك التصور الخديوي عن الغرب والتماهي معه، لأن الحلم بتحويل عاصمة شرقية عريقة إلى باريس أخرى هو أقرب إلى الكاريكاتور. أما تجربتها الروائية فلا يتسع المجال هنا للحديث عنها من دون اختزال مُخٍلّ، فهي لم تكتب الرواية التاريخية بالمعنى المُتداول لهذا المصطلح في «ثلاثية غرناطة» بل سعت بجرأة إلى تأويل التاريخ، بحيث تصبح غرناطة قابلة للتكرار بعد عدة قرون من سقوطها، وهذا هو المعنى الذي أشار اليه جورج لوكاتش حين كتب عن الرواية التاريخية التي تعيد إنتاج الماضي بوعي الحاضر، وهذا أيضا ما حاولته في «الطنطورية» المذبحة التي اكتشفها بعد أكثر من خمسة عقود مؤرخ يهودي ممن يُطلق عليهم لقب المؤرخين الجُدد. حتى في مجال السيرة الذاتية لم ترتهن رضوى للسيرة بمعناها التقليدي، سواء في كتابها «الرحلة» وهو تجربة طالبة في الولايات المتحدة في مقتطفات من سيرتها في أثقل من رضوى. والمسألة أخيرا ليست في قبول أو عدم قبول قبيلة النقد بهذا المُنجز، لأن صاحبته جاءت من الجهة الأخرى، فالنقد ليس نقيضا للإبداع، إنه إبداع مواز حين يسعى إلى الكشف والمغامرة في الخروج عن الطريق الذي امتلأ بوقع الحوافر على الحوافر، ولعلّ رضوى عاشور أفادت كثيرا في إبداعها من تجربتها في النقد، سواء كان نظريا أو تطبيقيا أو في النطاق الأكاديمي، فأضاف اليها صرامة وجدية ومساءلة للذات لهذا فإن ما تستحقه أعمال رضوى عاشور من الرصد النقدي أضعاف ما قدمه هذا النقد لأنه أولا داجن، وثانيا رهينة السلطة أو الايديويوجيا أو النرجسية الجريحة لمن استوقفهم سؤال غراهام هيو الشهير، عن السبب في عدم وجود تماثيل للنقاد في عواصم العالم، فالنقد حين يكون داجنا أشبه بالنحل الذي يعيش على السكر المطحون، وعبثا ننتظر منه الشهد الصافي، لأنه بسبب الكسل حرم نفسه من الرحيق الإبداعي سواء كان نثرا أو شعرا.

* * *

حين يصمت المبدع رغما عنه في أوج سني النضج فهذا بحد ذاته أمر يدعو إلى مزيد من الأسى، وبمقدور أي ناقد ذي خيال ان يتنبأ بما كانت ستضيفه رضوى عاشور لولا هذا الصمت القسري، وما أعنيه بالتنبؤ هنا ليس التمني او التفكير الرغائبي، بل هو احتكام للممكنات الهاجعة في النصوص المنشورة. إن موت المبدع وإن كنت اعتذر عن هذا التذكير بفضل رضوى وتوائمها من المبدعات، هو قيامة، إذ سرعان ما يختطف أبطال الروايات مؤلفهم من التابوت، لهذا فإن الوداع في سياق كهذا هو وعد بالقدوم العاجل من المستقبل، وجيل رضوى هو الوريث الشرعي للرائدات اللواتي عبّدن الطريق لبناتهن وحفيداتهن بعسر بالغ، وإن كان امتياز رضوى عاشور هو أنها لم تتفرغ لمطارحات وسجالات عقيمة حول الجندر، أو استحقاق الأنوثة في عالم عربي باترياركي تحكمه ديكتاتورية الذكورة وطغيان ثقافتها، واختارت أن تكتب وتواصل مشروعها بتناغم مع الذات.

* * *

وإذا كان رحيل مبدعة أو مبدع خسارة، كما يقال في طقوس الوداع الموسمية، فإن الخسارة الأكبر هي صمت النقد عن كل ما يستحق اجتهاداته ومغامراته، ولم تكن رضوى عاشور المثال أو الأمثولة في هذا السياق، بل سبقها وسوف يلحق بها مبدعات ومبدعون آثر النقد الأمي والداجن الفرار عن قراءاتهم، خصوصا إذا كانت نصوصهم مصلبة ومشحونة بوعي مفارق للسائد.
أخيرا، أشعر بأن رضوى كانت في سباق ماراثوني مع موت تشم رائحته عن بُعد، بعكس آخرين ممن أصابهم زكام وهم الخلود، وهنا أتذكر ما قالته الشاعرة اميلي ديكنسون عن رائحة الموت التي يشمها الأنف المثقف وهو في ذروة العافية، فلا الرثاء ولا الطقس الموسمي يليقان بمن صمتوا… بل ما يليق بهم هو قراءتهم والاعتذار عن تأجيل الحوار معهم!
*كاتب أردني

خيري منصور*