< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

كمال داود مفاجأة جائزة الغونكور الأدبية.. روائي جزائري الروح يبحث عن مكانة في الأدب العالمي

الجزائر «القدس العربي»: عاش عالم الأدب في الجزائر وفي فرنسا على أعصابه حتى آخر لحظة لمعرفة الفائز بجائزة الغونكور الأدبية، التي تعتبر أشهر وأعرق جائزة أدبية في فرنسا، والتي لم يفز بها منذ تأسيسها رسميا سنة 1902، سوى كاتبين عربيين هما أمين معلوف، والطاهر بن جلون. اسم ثالث دخل المسابقة هذا العام، وبقي في السباق إلى آخر لحظة، وانهزم بفارق صوت واحد، هو الجزائري كمال داود.
صاحب رواية «مورسو.. تحقيق مضاد» التي يقوم من خلالها بزيارة إلى التاريخ، بالإبحار في أدب العملاق الفرنسي الراحل ألبير كامو، كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز بجائزة 2014، والتي كانت من نصيب ليدي سالفاير عن روايتها «لا تبكي». كمال داود لن يبكي لأنه خسر الغونكور لكنه ربح شهرة واحتراما من الوسط الأدبي في الجزائر وفرنسا.
كمال داود ابن مدينة مستغانم غرب البلاد يبلغ من العمر 44 عاما، ورغم أنه لم يفز بجائزة الغونكور إلا أنه أول جزائري يصل إلى المربع الأخير من هذه الجائزة الأدبية الشهيرة، التي تفتح أبواب الشهرة أمام من يفوزون بها، أو من يصلون إلى الدور النهائي منها، مثلما هو الأمر بالنسبة لكمال داود.
الشيء اللافت للانتباه هو أن كمال داود صحافي يكتب مقالا يوميا في صحيفة «لوكوتيديان دوران» (الصادرة بالفرنسية) ورواية «مورسو.. تحقيق مضاد» هي أول إصدار أدبي له، ومن أول رواية يصل إلى الدور النهائي من جائزة الغونكور، لتفتح أمامه أبواب الأدب الفرنسي على مصاريعها، والشيء الثاني اللافت أيضا هو موضوع الرواية، فالكاتب قام بزيارة إلى رواية « الغريب» لألبير كامو التي صدرت سنة 1942، والتي يدور موضوعها حول البطل مورسو، والعربي الذي يقتله هذا الأخير، ويبقى مجهولا طوال الرواية، دون أن يذكر كامو اسمه، لكن كمال داود يعيد في روايته حكاية قصة موسى ذلك العربي الذي قتله مورسو في كتاب ألبير كامو، ويكشف عن هويته من خلال كتابه.
الاقتراب من كامو بمثل هذا الشكل يعتبر عند البعض إهانة للذات الإلهية، لكن كمال داود يقول إنه لا يقصد الإساءة ولا الإهانة، وأنه بمثابة قزم يتسلق فوق كتفي عملاق، وأنه بذلك يمكن أن ينظر إلى أبعد من العملاق نفسه.
داود يعتبر ألبير كامو كاتبا جزائريا، حتى وإن كان قد دفن في فرنسا، وبصرف النظر عن الجدل القائم بشأن مواقفه من الجزائر ومن الاستعمار الفرنسي، لكنه يؤكد أنه يأخذ من كامو ما يحتاجه، ويترك البقية للآخرين، فهو يعلم أن للمعبد حجاجا وزوارا وحراسا، ولكنه يتعامل مع كامو دون عقدة.
واعتبر أن كتابه كان ضروريا، وكان حتميا أن يكتب في يوم من الأيام، إما من طرفه هو أو من كاتب آخر، بل إنه يستغرب كيف أن هذا الكتاب لم يكتب من قبل، أي منذ 1942، وردا على سؤال يتعلق بسبب تجاهل كامو للعربي الذي قتل من طرف مورسو، يقول كمال داود، إنه لا يستطيع الحكم بشكل نهائي بخصوص هذا الأمر، أي أنه لا يمكن القول إن كان ألبير كامو قد تعمد تجاهل العربي في رواية «الغريب» أم أن هذا التجاهل هو ترجمة لتجاهل الهوية العربية الجزائرية خلال فترة الاستعمار الفرنسي، الذي كان يعتبر الجزائر قطعة من فرنسا، وأن الجزائري هو «أنديجان» أي مواطن من الدرجة الثانية.
بالنسبة للعلاقة مع اللغة الفرنسية يقول إنها بالنسبة له ليست غنيمة حرب، مثلما قال كاتب ياسين، لأن صاحب رائعة «نجمة» حسبه، عاش عنف الحرب والاستعمار، أما داود فينتمي إلى جيل الاستقلال بكل تناقضاته، صاحب رواية «مورسو..تحقيق مضاد» يقول إن اللغة الفرنسية هي بمثابة «ملك شاغر» تركه الفرنسيون، ورغم أنه درس باللغة العربية، إلا أنه اختار الكتابة باللغة الفرنسية لعدة أسباب، الأول، هو عدم وجود سوق للرواية باللغة العربية في الجزائر، وأنه من الصعب على أي كاتب العيش من كتاباته، موضحا أنه لو كان في مصر أو لبنان لاختار الكتابة باللغة العربية.
من جهة أخرى يشير إلى ثقل الدين في الرواية باللغة العربية في الجزائر، لأن من الصعب الفصل بين العربية والإسلاموية، مؤكدا على أن في الدول العربية الأخرى يمكنك أن تكون كاتبا بالعربية وملحدا أو علمانيا أو إسلاميا، أما في الجزائر فالأمور ما تزال معقدة وخيوطها متشابكة.
ورغم ذلك فإن كمال داود يشدد على أنه لا يريد أن يكون كاتبا باللغة الفرنسية للسوق الفرنسي أو الجزائري أو الاثنين معا، بل كاتبا ينتظر قراء بقية العالم، معتبرا أنه لا يفهم كيف أن كاتبا من أمريكا اللاتينية أو من أوروبا الشرقية يخرج بقصصه وأبطالها من الحدود الجغرافية المحلية إلى فضاء العالمية، في حين أن الكاتب الجزائري محكوم بمنطق المحلية، أو بمنطق العلاقة الثنائية بين الجزائر وفرنسا. داود مقتنع بأن الجزائر جزء من هذا العالم، وحكاياتها وقصصها جزء من القصة الإنسانية، والتي يجب أن تحكى للعالم، وهذا هو الهدف الذي يرسمه لنفسه، المشاركة في مسابقة الغونكور ليست نهاية في حد ذاتها، بالنسبة للكاتب، بل بداية رحلة أدبية، في انتظار الرواية الثانية.

منتخبات من «مورسو: تحقيق مضاد»

اليوم، أما ( أمي) ما زالت على قيد الحياة. هي لا تقول شيئا، لكن بإمكانها أن تحكي الكثير، خلافا لي، لأني لكثرة ما حاولت إعادة ترتيبها في رأسي، أكاد لا أتذكرها.
أريد أن أقول إنها حكاية تعود إلى أكثر من نصف قرن. حدثت وجرى الحديث عنها طويلا. الناس ما زالوا يتكلمون عنها، ولكن لا يتحدثون إلا عن قتيل واحد، دون الشعور بأي حرج أو خجل، مع أنه كان هناك قتيلان. سبب هذا التجاهل، هو أن الأول عرف كيف يحكي قصته، إلى درجة أنه أنسى جريمته، في حين أن الثاني هو ذلك الفقير الأمي، الذي يبدو، بأنه خلق فقط ليتلقى رصاصة ويعود بعدها إلى التراب. مجهول لم يكن له الوقت حتى للحصول على اسم.
أقول لك مسبقا، إن القتيل الثاني، الذي أغتيل، هو أخي، الذي لم يبق منه شيء. لم يبق إلا أنا جالسا داخل حانة، في انتظار التعازي التي لن يقدمها أحد. يمكنك أن تضحك، لكن هذه مهمتي نوعا ما، أن أعيد بيع صمت الكواليس الذي تفرغ فيه القاعة. من جهة أخرى لهذا تعلمت الكلام والكتابة بهذه اللغة، لأتحدث في مكان رجل ميت، لأكمل جمله. القاتل أصبح شهيرا، وقصته مكتوبة جيدا، حتى جاءتني فكرة أن أقلده. كانت هذه لغته. لهذا سأفعل ما قام به أهل هذا البلد بعد الاستقلال، أخذوا أحجار بيوت المعمرين الأوروبيين، لأعيد بها بناء بيت لي، لغة لي. كلمات القاتل وتعابيره، هي بمثابة ملك شاغر بالنسبة لي. البلاد تعج بكلمات لم تعد ملكا لأحد، والتي يمكن أن نراها على واجهات المحلات القديمة، في الكتب التي مال لونها إلى الإصفرار، على الوجوه، أو التي حولها التحرر من الاستقلال بطريقة غريبة.
لقد مضى وقت طويل على وفاة القاتل، ووقت أطول منذ أن اختفى أخي من الوجود، إلا بالنسبة لي. أعرف أنك متشوق لطرح الأسئلة التي أكره، ولكني أطلب منك أن تسمعني بتركيز، وستفهم في الأخير. هذه ليست قصة عادية، بل هي قصة أخذتها من نهايتها وعدت بها إلى بدايتها. مثل طبق سلمون مرسوم بالقلم. مثل الآخرين تكون قد قرأت هذه القصة، مثلما حكاها الرجل الذي قتل أخي، والذي راح يفتخر بذلك في كل العالم. هو يكتب بطريقة جيدة، إلى الحد الذي تظهر كلماته وكأنها أحجار منحوتة من الدقة نفسها. لقد كان شخصا صارما مع التدقيق، بطلك كان يجبرهم تقريبا على أن يكونوا خبراء في الرياضيات. حسابات لا تنتهي من أحجار ومعادن. هل رأيت طريقته في الكتابة؟ إنه يستعمل فن القصيدة الشعرية للحديث عن طلقة رصاص. عالمه نظيف، تقاطيعه واضحة وضوح النهار، دقيق، صاف، مرسوم بنكهات وآفاق.
الظل الوحيد هم العرب، أشياء غير واضحة وخاطئة، جاءوا من زمن آخر، مثل أشباح، بلغة واحدة، هي صوت الناي. أظن أنه كان قد سئم الدوران في بلد لا يريده لا حيا ولا ميتا. الجريمة التي ارتكبها تبدو وكأنها لعاشق محبط من أرض لا يستطيع امتلاكها. كم يكون قد تعذب المسكين. كم هو صعب أن تكون ابنا لأرض لم تلدك.
أنا أيضا قرأت روايته للأحداث، مثلك ومثل ملايين غيرك. منذ البداية نفهم كل شيء: هو كان له اسم رجل، وأخي كان له اسم حادث، كان بإمكانه أن يسميه «الساعة الرابعة عشرة» مثل ذلك الذي أطلق اسم «الجمعة» على زنجيه، وقت في اليوم بدلا من يوم في الأسبوع. الرابعة عشرة هي «الساعة الثانية» بالعربية، أي الرقم اثنين، الثنائي، هو وأنا، توأمان لا يمكن الشك فيهما، بالنسبة لمن يعرفون قصة هذه القصة.

كمال زايت