< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

محمد الثبيتي… لحنٌ بدوي محدّث

من المفارقات المدهشة أن الشاعر محمد الثبيتي كان وما زال يمارس سطوته الأدبية، ليس على مجايليه وما بعده من أجيال قصيدة التفعيلة وحسب، بل حتى على كُتاب قصيدة النثر. على الرغم من أنه لم يكتبها. كما تجاوز أثره السحري الشعراء إلى القراء. وهي ظاهرة جديرة بالفحص والإعجاب. فبعد الجلطة المفاجئة بداية عام 2009 التي أدخلته في غيبوبة مفجعة حتى وفاته في الخامس عشر من يناير/كانون الثاني عام 2011. استؤنفت القراءات الجماهيرية النابهة لشعره، حيث كانت تلك المحطة المحزنة فرصة لإعادة مطالعته كواحد من ألمع الشعراء الذين أنجبتهم هذه الأرض.
منذ ديوانه «التضاريس» لم يعد الثبيتي شاعراً منذوراً لمخاطبة الفئة المثقفة، بقدر ما صار شاعراً جماهيرياً بامتياز. فقد اخترق الوجدان الشعبي وأصبح شعره يتردد على ألسنة الناس بعيداً عن صقيع ومحدودية هامش المنابر. وهو أمر نادر الحدوث، إذ يصعب على شاعر أن يخرج بشعره من مختبر النخبة الضيقة إلى مناخات ذائقة الجمهور. وقد ارتقى تلك القمة الفسيحة لا لأنه كان يقفّي شعره ويناغي الآذان المغرمة بالرنين والأوزان، كما يُشاع، ولكن لأن شعره اختزن المعنى، واستحضر ساعات الإيقاع، واستخلص من عصب اللغة ما يثير الفكر ويؤجج المشاعر.
هكذا صار شاعر الناس، الجمهور، الشعب، بالمعنى الواسع لفكرة التلقي. ولم ينحبس في الأفق الضيق المتعالي لتوقع القارئ المستقبِّل، المتلقي. ومرد ذلك يعود إلى انحقان شعره بسر جمالي ما زال قيد الدرس والبحث على مستوى الموضوعات المطروقة، وطرائق الصوغ، وفرادة المعجم، واللغة المعجونة بالهم الشخصي المحلّقة في الهم العام. وقد أهلّه ذلك النبض الجواني في خطفاته الشعرية لاختراق الذائقة الشعبية وإغواء الدارسين بتأمُّل تراكيبه التصويرية المدهشة. فهو محل اهتمام كبير من قبل محبي الشعر والباحثين، بعد أن كان متهماً بالإفراط في الغموض، وارتكاب حداثة لا مكان ولا قبول لها في مجتمع عاداته متزمته، ومشهد ثقافي ذائقته تقليدية متكلّسة.
لم يكتب الثبيتي تعويذة شعرية معقّدة لكائن قادم من المستقبل ليستوعب خطابه الشعري مفهومياً ويتذوقه فنياً. ولم يزعم أنه يكتب لإذهال النقاد مطلقاً. إنما كان يشعر لحظته ويخاطب ناسه على سجيّته. لولا أن عادات التلقي، سواء على مستوى النُّخب أو الجمهور غالباً ما تأتي في الوقت المتأخر، لتكتشف مبرّر فرادته وانتقاله من نمط تعبيري إلى آخر. وهنا يكمن مغزى الاندفاع مؤخراً نحو منجزه للتعرُّف على الذات التي أنتجته. الذات التي عبّرت بشاعرية متجاوزة عن لحظة متخثرة كانت بحاجة إلى من يرجّ أركانها بشعرٍ مغاير. ويعيد ترتيب أولويات الوعي والذائقة.
الثبيتي فعل ذلك بفطرية الشاعر الجاهلي الذي يسرد مشهدية الحياة بسليقته، وطزاجة نظرته للوجود. وأيضاً بحداثة الشاعر المأخوذ بنثرية الحياة المتشظية، حيث راود نفسه، من خلال قصائده بإصلاح ما لا يمكن علاجه. فعل ذلك منقاداً بقوته الذاتية وبمتوالية من النصوص الأخّاذة التي يبدو فيها بمثابة الفاعل العرضي. الذي يبدّل تموضعاته في الهامش، لا المقيم في قلب الحدث الشعري والواقع الحياتي، لكأنه يحلّق عالياً ليلتقط بحواسه ما تيسر من حياة تنفلت من بين أصابعه ليوطّنها في نصه.
كل ما قاله يحيل إلى كائن ثقافي لا يُدغدغ جمهوره بالشعارات والأماني، ولا يُسمعهم صوتهم الداخلي، بقدر ما يعبّر معهم وعنهم بما ينبغي أن يقال. وهنا يكمن سر خلوده في الوجدان الشعبي واستئثاره بتلك الجماهيرية الجارفة. فهو يعي جيداً مرض الجمهور الجمالي، لأنه يشترك معهم فيه، أي في تمييع الخط الفاصل ما بين النص كظاهرة أدبية والحياة كوقائع معيشة، ولذلك يبدو شعره تشخيصياً، إذ يختزن حزنه الذي يظلّل كل قصائده رغبة أكيدة للاكتمال الداخلي، ومعافاة الذات من خيباتها ونقصانها، وهو الأمر الذي يولّد كل تلك الصور الشعرية في نصوصه، ويؤرجح عباراته ما بين التشبيهات الذاتية الحميمة وبين الموضوعية المحفوفة بمزاج شديد الضراوة ومخيال جامح.
إن أفضل برهان على شاعريته المتميزة يمكن التقاطها من داخل منجزه، وليس مما يُقال عنه من خارج مدارات قصيدته. الأمر الذي يحتم التماس مع تلك الروح المعذَّبة بإحساسها. وفحص منسوب تمزقاتها العميقة.. بمعنى قراءة منتجه بدون أي وسائط لإزالة قشرة الألم الرهيفة عن مكنون رؤيته وتوقه للحبّ. بما هو الحاضن والمولّد لشاعريته. فذلك هو الكفيل بتخليصه من استيهامات الفكرة الطوباوية المأخوذة عنه، والتعامل معه ككائن تقوده عبقرية عاطفته، على اعتبار أنها المعادل لوعيه. فما يُكتب عن نصه ليس أكثر من إضاءات لمعانقة ذاته الشاعرة. التي كانت تتشكل في حُرقة التجربة وليس على صفيح معركة الحداثة والقدامة التي تم افتعالها آنذاك. فهو على درجة من الإخلاص للشعر وأبعد ما يكون عن مشتبهاته الكلامية.
هذا لا يعني أن قصيدته هي اختصار نصّي لذاته، ولا هي سيرته، وإن كانت تؤرخ لشيء من حياته، لأن ذاته المنطرحة بشفافية وجرأة في القصيدة موزعة في الفضاءات التي عاشها، ومتقاسمة مع الذوات التي صادفتها، حتى أناه ليست شخصية تماماً بقدر ما تمتزج بنزعة موضوعية، لأنه لا يتكلم في نصوصه كإنسان خيالي، مشبوب العاطفة، منسلخ عن الوقائع. وهذا هو بالتحديد ما أعطى لشخصيته طابعها العام، المنغرس بعمق في وجدان الناس. فآهاته ودموعه ومراثيه هي نشيدهم الذي تواطؤا معه على الترنُّم به. حتى الغنائية الفائضة التي توحي بانكساره تصيب قارئه بعدوى الانكسار، لأنه يمدّد نصه في الفضاء الواقعي، الذي يحيل بدوره إلى محل لألم مبرّح لا شفاء منه إلا بالنص.
والذي لا شك فيه أن شعر الثبيتي فيه شعرية طاغية مكتزة بأكثر من حياة، فهو يهب قارئه متعة تأمل بنائه اللغوي الملغوز، ولذة الانخطاف بتصويراته المنسوجة في ألياف على درجة من المرونة والرقة والشفافية، تحرض على استبطان روح ومعنى ذلك اللحن البدوي القديم المحدّث، وآلية انكتابه. ومقاربة استواءاته ما بين منازعه الثقافية مقابل انفلاتاته الفطرية، وصراعه اللامرئي ما بين الدرامي والغنائي.
*كاتب سعودي

محمد العباس*