< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

جنوب السودان بعد عام من الحرب الأهلية وثلاثة أعوام من الاستقلال نموذج للكارثة التي يصنعها الإنسان

نيويورك – «القدس العربي»: في الخامس عشر من كانون الأول/ديسمبرالحالي مرت الذكرى السنوية الأولى لانطلاق الحرب الأهلية في جنوب السودان الذي لم يمض على استقلاله بعد انفصاله عن السودان إلا ثلاث سنوات وبضعة أشهر لم تشهد فيها الدولة الجديدة يوما واحدا من السلام والهدوء والإعمار بعد أن غابت عن المشهد إحتفالات الاستفتاء في 9 كانون الثاني/يناير 2011 واحتفالات الاستقلال في 9 تموز/يوليو من العام نفسه. أتذكرون كم طبلت وزمرت الإدارة الأمريكية والدول الغربية إحتفاء بالدولة الوليدة على إعتبار أنها إحدى أكبر إنجازاتها في سلسلة الإجراءات العقابية ضد الرئيس السوداني عمر البشير على ما إقترفت يداه من دعم «للإرهاب» وارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد أطياف من الشعب السوداني وخاصة في دارفور كما تقول هذه الدول، فماذا جنى المجتمع الدولي من سلخ ربع السودان عن جسده؟ وماذا جنى الجنوبيون من هذا الاستقلال الذي تم بعملية قيصرية على أيادي أطباء غير مهرة بحيث ولد الطفل مشوها أصلا وبه علل عضوية لا يصلحها كل العطارين بسبب ما أفسد الدهر خـِلقة؟ لقد عوقب السودان والشعب السوداني وليس البشير من هذا الانفصال حيث تم اقتطاع جنوب البلاد الغني بالنفط وبطريقة رعناء تواطأت فيها كل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الغربية بشكل عام وبعض الدول العربية، كما لعبت إسرائيل دورا مفصليا في هذه الكارثة إنطلاقا من إستراتيجيتها في تفتيت الدول العربية أو زجها في حروب طائفية أو دينية كي تثبت هيمنتها على المنطقة بشكل مطلق. لكن مسؤولية سلخ الجنوب يتحملها البشير أولا، حيث قبل بفكرة الانفصال كأحد شروط اتفاقية السلام الشاملة والتي ستنتهي بالاستفتاء وذلك بعد فشله في الحرب التدميرية لفرض الشريعة على من هم ليسوا عربا ولا مسلمين، وحسني مبارك ثانيا بسبب تهميش دور مصر وتغييبها عن المسرح الدولي من جهة ومن جهة أخرى بسبب مناكفته للبشير خاصة بعد محاولة إغتياله في أديس أبابا عام 1995. وثالثا العقيد القذافي الذي دعم الانفصاليين وسلحهم. وهؤلاء الثلاثة سهلوا للولايات المتحدة وإسرائيل عملية تقطيع أوصال السودان والذي كان يمكن أن يكون سلة الخبز للقارة الأفريقية ومن أعظم الدول المنتجة للمواد الغذائية. فقد منحه الله فوق كل خيرات الطبيعة التي لا تحصى كنوز النفط المدفونة في أحشائه، أضف إلى ذلك تنوعا حضاريا وديموغرافيا كان يمكن أن يكون منطقة جذب سياحية لا مثيل لها في العالم. وسنراجع في هذا المقال مسيرة جنوب السودان وحروبه المتعددة مع الجار أولا ومع مكونات الدولة الجديدة.

مقدمة لا بد منها

وقع عمر البشير مع جون غرانغ، قائد جيش التحرير السوداني، على اتفاقية نيفاشا بكينيا بتاريح 9 كانون الثاني/يناير 2005 اتفاقية السلام الشاملة والتي تنهي حالة الحرب وتدمج السلطتين معا وتحول أجزاء من عوائد النفط للجنوب وبعد ست سنوات يجري إستفتاء على مستقبل الجنوب فإما الانفصال أو البقاء في دولة الوحدة مع ممارسة الجنوب لحكم ذاتي موسع. وكان غارانغ من أنصار البقاء في دولة الوحدة فتم التخلص منه بتفجير مروحيته في أوغندا بطريقة مريبة بتاريخ 30 حزيران/يونيو 2005، وحل محله سيلفا كير المتحمس للانفصال. وبدأ يعمل منذ اللحظة الأولى على تعبئة الجنوبيين الذين إكتووا بنيران الحروب الأهلية الطاحنة (1955-1972 و 1983-2005) والتي حاول فيها الشمال تطويع الجنوبيين بالقوة. وبالفعل جرى الاستفتاء في 9 كانون الثاني/يناير 2011 وجاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الاستقلال بنسبة 98٪ وأعلن الاستقلال رسميا في 9 تموز/يوليو أي بعد ستة شهور من الاستفتاء كما تنص الاتفاقية، وأصبح جنوب السودان عضوا في الأمم المتحدة ورفع علمه ليكون الدولة الـ 193 وأقيمت الأفراح والليالي الملاح للدولة الجديدة وهلل الغرب لها وطبل وزمر لتبدأ بعدها المصائب التي ورثها الجنوبيون بعد خمسين سنة من الحروب والإهمال والتهجير والتدمير.
وللعلم فمساحة جنوب السودان 644،329 ألف كيلو متر مربع وعدد سكانه نحو 12 مليونا تشكل قبائل الدنكا 38 ٪ منهم وقبائل النوير 15٪ وتتوزع البقية على عدد كبير من القبائل المحلية.

مسيرة ثلاث سنوات من الصراع

منذ اليوم الأول للاستقلال واجه جنوب السودان عقبات كأداء لإنشاء دولة من الصفر. فمقومات الدولة غير متوفرة والجهاز الوحيد العامل في البلاد هو جيش التحرير والذي يعتاش على المساعدات الخارجية. وبما أن الدولة الوليدة «مغلقة حدوديا» ولا منفذ لها على البحر وأنابيب النفط تمر من السودان سرعان ما تطور الصراع مع الشمال إلى حرب حول السيطرة على منطقة أبيي الغنية بالنفط. تحول الصراع عندئذ إلى صراع دولي عبر حدود بلدين مستقلين فبدأت قرارات مجلس الأمن تعتمد الواحد بعد الآخر وأصبح هناك ثلاث بعثات دولية تتعامل مع جوانب الأزمات التي خلفها الصراع الداخلي في السودان- بعثة لدارفور وثانية لجنوب السودان لمساعدته في إعادة البناء وإعادة توطين المهجرين واللاجئين، وثالثة لمنطقة أبيي. وتحت الضغوط الشديدة على السودانـين توصلا إلى اتفاقية تهدئة بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2012.
بالإضافة إلى صراع حول النفط، تطور صراع آخرعشية الاستقلال وبالتحديد في شهر حزيران/يونيو 2011 بين السودان وجنوب السودان في ولاية جنوب كردفان في منطقة جبال النوبة. كما دخل جيش جنوب السودان في صراع مع نحو سبع مجموعات قبلية مسلحة في تسع ولايات من مجموع عشر لسبب أساسي هو إستحواذ قبيلة الدنكا وزعيمها سلفا كير على القوة بعد أن تحالف مع قبيلة نوير والتي تلي الدنكا في العدد والقوة. وفي آذار/مارس 2012 وبنوع من الغرور قامت قوات الحركة الشعبية بقيادة نائب سيلفا كير، رياك مشار، باحتلال آبار النفط في منطقة هجليج في الشمال فقام الجيش السوداني بهجوم مضاد واستطاع أن يذيق قوات الجنوب طعم الهزيمة. وأكدت مصادر سودانية أن إسرائيل كانت تقدم دعما لوجستيا وذخائر وأسلحة للقوات الشعبية. إلا أن قوات الجنوب إنسحبت تماما من هجليج وعادت المنطقة إلى السيادة السودانية.

الحرب الأهلية نهاية عام 2013

إتهم رياك مشار نائب الرئيس رئيسه سيلفا كير بأنه طاغية ولا يستشير أحدا وقد أحكم قبضته على كل مفاصل الدولة وهمش بقية أفراد الحكومة خاصة المنتمين إلى قبائل من غير الدنكا. تطورت الخلافات بين الرجلين فقام كير باتهام مشار بأنه يدبر لانقلاب فوضع ستة وزراء موالين لمشار في السجن وفر مشار إلى منطقة جونغلي حيث الأكثرية من قبائل النوير، وسرعان ما تطورت الخلافات إلى حرب أهلية طاحنة بين قبائل الدنكا وقبائل النوير إرتكبت فيها فظائع ضد المدنيين من الطرفين. هوجمت المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء وحرقت المحلات وتمت عمليات تطهير عرقي متبادل. وتقدر الأمم المتحدة الخسائر على النحو التالي: مقتل على الأقل عشرة آلاف مدني من قبيلتي الدنكا والنوير، تشريد أكثر من 1.9 مليون مواطن داخل جنوب السودان من بينهم 100،000 ما زالوا يحتمون بمقرات الأمم المتحدة ولجوء نحو 400،000 إلى الدول المجاورة خاصة السودان وكينيا وأوغندا. كما أن نصف مليون من أطفال جنوب السودان توقفوا عن الذهاب للمدارس.
وقد أعلنت كوانغ وا كانغ نائبة منسقة الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة بعد زيارة مؤخرا لجنوب السودان أن الوضع الإنساني خطير للغاية. وقالت إن وكالات الإغاثة هناك تمكنت من الوصول إلى أكثر 3.5 مليون شخص بالمساعدات خلال العام الحالي حيث ساهمت تلك الجهود في تجنب حدوث المجاعة وسيطرت على تفشي وباء الكوليرا، إلا أن الوضع مازال قاتما حيث يتعرض نحو 2.5 مليون شخص لخطر انعدام الأمن الغذائي خلال العام المقبل، وستحتاج وكالات الإغاثة إلى 600 مليون دولار لتنفيذ عمليات الإغاثة في جنوب السودان خلال عام 2015.
ومن يطلع على تقارير منظمات حقوق الإنسان حول الجرائم التي ترتكب بحق المدنيين وخاصة النساء والأطفال يعجب لمثل هذه الدولة المسخ التي أنشأتها الدول الغربية عنوة وقهرا لتفكيك دولة السودان. فمثلا نسبة زواج القاصرات وصل إلى 52٪ كما تتسابق الميليشيات في تجنيد الأطفال وقد قدرت اليونسيف عدد الأطفال المجندين بـ 12،000 طفل. لقد هوجمت المدارس والمستشفيات والملاجئ وارتكبت المجازر وهجر الملايين من ديارهم. وعاد سلفا كير ينشد مساعدة البشير ويبدو أن البشير يريد أن يلعب أوراقه بطريقة صحيحة بحيث يخرج جميع فرقاء الصراع الجنوبي ضعفاء.

محاولات وقف الاقتتال وإحلال السلام

لقد تصدرت دول مجموعة الإيغاد المكونة من إثيوبيا وجيبوتي والسودان وكينيا وأوغندا والصومال، جهود المصالحة بإشراف الاتحاد الأفريقي منذ البداية واستطاعت أن تتوصل إلى إتفاق لوقف العمليات العسكرية بتاريخ 25 كانون الثاني/يناير 2014 والذي لم يحترم ولو ليوم واحد. وقد عقدت المجموعة ستة إجتماعات منذ إندلاع الأزمة كان آخرها في أديس أبابا بين 6 إلى 8 تشرين الثاني/نوفمبرعلى مستوى القمة خصص لدعوة الطرفين للإلتزام بوقف إطلاق النار وقبول خطة الحل التي وضعتها قمة الإيغاد في إجتماع سابق في 25 آب/أغسطس وتشمل الاتفاق على تقاسم السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء، والاتفاق على المرحلة الانتقالية وتشكيل وزراة وحدة وطنية والاتفاق على موعد للانتخابات المقبلة. وقد وقع الطرفان على الاتفاقية يوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر وأعطيا فترة 15 يوما للتشاور مع أنصارهما والعودة إلى طاولة المفاوضات للتوقيع. إلا أن التقارير ما زالت تؤكد أن القتال مستمر في منطقتي بنتيو وروبكونا وأن كلا الطرفين يستعد للحسم العسكري إذا لم يقبل الطرف الآخر بشروطه.
لقد بدأ العالم يضيق ذرعا بالطرفين وقد بدأت بعض الدول مثل كندا فرض عقوبات على منتهكي «اتفاقية وقف العمليات العسكرية». وقد أكد الأمين العام في تقريره الأخير بتاريخ 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، أن المسؤولية تقع على عاتق قيادة جنوب السودان بطرفيها كير ومشار مذكرا «أن العالم يستطيع أن يساعد في جهود المصالحة لكنه لا يستطيع أن يفرض حلا من الخارج». وجل ما تقوم به الأمم المتــحدة وبعثـــتها في جنوب السودان هو حماية المدنيين ومحاولة إنقاذ ســبـــعة ملايين من الجوع والتشرد والمرض.

الحرب الأهلية كانت متوقعة

في تقرير أعدته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (السي آي أيه) عام 2010 حول مستقبل دولة جنوب السودان المقبلة جاء فيه: «إن الوكالة تحذر من إحتمال وقوع قتل جماعي أو حرب إبادة في الخمس سنوات المقبلة في جنوب السودان». وأضاف التقرير أن جيش نوير الأبيض قد أكد مرارا أنه يتمنى أن يبيد قبيلة المورلي من على وجه الأرض كحل وحيد لضمان أمن قبيلة النوير ومواشيها على المدى البعيد. هذا ما يحدث الآن والخطأ في تقرير (السي آي أيه) أن الحرب الأهلية وعمليات القتل الجماعي قد وقعت قبل خمس سنوات.
إذن كان هذا متوقعا منذ البداية، فتسلم سلفا كير المتعجرف والدموي وتحالفه المؤقت مع رياك ميشار ضد عشرات القبائل الأصغر إنتهى إلى كارثة جرفت معها كل القبــائل وعادت الدولة «المفبركة» بطريقة إعتباطية تحارب نفسها بنفسها لأن «النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله».

عبد الحميد صيام