< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

الحكم للشعب لا للقضاة

لم يكن لعاقل أن يتوقع نهاية أقل بؤسا لمحاكمات مبارك وزبانيته.
فهذه المحاكمات ـ في حقيقتها ـ محاكمات للثورة والثوريين، لا للظالمين والنهابين، ولا يتعلق الأمر باحترام القضاة، فهــــؤلاء يحكمون بما تيسر لهم من أوراق، ومن قرارات اتهام، وطبقا للقوانين العادية المضادة للثورة بطبيعتها، فالثورة ـ أي ثورة ـ حدث استثنائي لا فعل عادة، والثورة ـ أي ثورة ـ «جريمة قلب نظام حكم» طبقا للقوانين العادية، وطبيعي جدا، أن تنتهي المحاكمات بالقوانين العادية إلى إدانة الثورة، أو إلى خذلانها في أقل تقدير.
هذه القاعدة العامة كانت ظاهرة وبديهية، ومنذ أول يوم بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وهو ما دفعنا مبكرا إلى رفض هذه النوعية من المحاكمات، ووصفها بافتقاد المعنى، وتأكيدنا أنها لن تدين ظالما كما يجب، ولن تعيد مليما واحدا من أموال مصر المنهوبة، وهو ما حدث ويحدث بالضبط.
وقد باتت الوقائع من فرط تكرارها معروفة ومحفوظة، فقد تباطأ وتــــواطأ مجــــلس طنطاوي وعنان، وتركوا المخلوع وجماعته بدون مساءلة ولا رغبة في المــحاكمة، ولمدة شهرين كاملين بعد خلع مبارك في 11 فبراير/شباط 2011، وكانوا يريدون الاقتصار على محاكمـــة جمال مبارك وجماعته، ولم يتراجع مجلس طنطـــاوي وعنان عن رذيلة حماية المخلوع شعبيا، إلا تحت ضغط الناس في ميادين التحـــرير، وقرروا استدعاء مبارك وزوجته وزكريا عزمي وصفوت الشريف وفتحي سرور وسواهم إلى المساءلة، فالمحاكمات.
وعلى طريقة ذر الرماد في العيون، وبعد أن كان قد جرى طمس وإعدام أدلة الإدانة، والانتهاء من ترتيب خطوط إخفاء الأموال المنهوبة، فقد أرادوا التظاهر بتهدئة الناس وامتصاص الغضب، والحيلولة في الوقت نفسه دون إجراء محاكمات حقيقية ناجزة، وإحلال محاكمات عادية هينة لطيفة، تستمر وقتا طويلا مخدرا للأعصاب، وتبدو فيها قرارات الاتهام أسيرة لزمن قصير جدا، هو الثمانية عشر يوما الأخيرة من سيرة الثورة، وبدون التعرض لشيء مما جرى في كوارث الثلاثين سنة من حكم مبارك، ومع الحرص على فتح ثقوب في قرارات الاتهام المحدودة المدى، وإضعاف الأدلة، بحيث يبدو مبارك مظلوما، وشيخا طاعنا في السن يستدر العطف من وراء القضبان، ويستحق البراءة بعد «البهدلة»!
وليست المسألة غراما ولا انتقاما، ولا تعاطفا ولا قسوة، فالقصد من المحاكمات بعد الثورات مختلف، وهو «التطهير الذاتي» لذاكرة الأمة، كما يحدث في الدراما، والقطيعة مع البؤس الذي كان ويكون، لكن المحاكمات لم تكن أبدا ثورية، لا في مصر ولا في تونس، ولم تؤد إلى قطيعة ولا إلى تطهير، وبدا أننا أمام وضع متأرجح، تميل فيه الكفة باطراد إلى القديم على حساب الجديد، وإلى الثورة المضادة على حساب قضية الثورة، وبسبب غياب إرادة المحاكمات والقطيعة والتطهير، وبسبب غياب رديف قوي أو حزب قوي للثورة، يقدر على استلام السلطة بأصوات الناس، وهو ما يفسر ما جرى في مصر بالذات على صعيد المحاكمات، فقد تواطأت جماعة الإخوان مع مجلس طنطاوي وعنان، وكانت السلطة أول وآخر همهما، وليس الثورة ولا المحاكمات الثورية، وحققت جماعة الإخوان أكثرية في أول برلمان بعد الثورة، وكانت لها مع حلفائها أغلبية تفوق الثلثين، ورفضت الأغلبية طلبنا بإجراء محاكمات ثورية لمبارك، وقد قدمنا مشروعا لإجراء محاكمة ثورية من خلال نواب «حزب الكرامة» وقتها، استند المشروع إلى قانون قائم، ولم يلغ في أي مرحلة، وهو قانون «محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة الخيانة العظمى»، وقد صدر القانون عام 1956، وامتاز بتعريفه الواسع لمعنى الخيانة العظمى، وإدراجه لإهدار نصوص الدستور ضمن معاني الخيانة العظمى، وفصل القانون في تحديد تشكيل المحكمة، وفي سير إجراءاتها، التي تستلزم لتفعيلها موافقة الثلثين من أعضاء البرلمان، وهو ما كان متوافرا وقتها للإخوان، لكن قيادة الإخوان رفضت تفعيل القانون، وتشاركت مع فقهاء جماعة مبارك في رفض إجراء أي محاكمات غير عادية، ورددت الكلام السقيم نفسه، وهو أن المحاكمات العادية أفضل، وأنها تلقى قبول ما سموه بالمجتمع الدولي، وتسهل إعادة الأموال المنهوبة، وكان ذلك نصبا سياسيا بامتياز، فالنهايات كانت معروفة وملموسة، ولم يكن لعاقل أن يتوقع إنصافا للثورة في المحاكمات إياها، التي جرى ترتيب أوراقهاعلى نحو مناسب للمتهمين، يكفل لهم فسحة إنكار الجرائم المنسوبة، بل ورمي الثورة ذاتها بتهمة المؤامرة، واتخاذ قاعات المحاكمات كمنصات للطعن في الثورة، وأهلها، ونسبتها إلى الإخوان الذين انقلبوا على الثورة من أول يوم، ودهستهم عجلة الحوادث، وانتهوا إلى محاكمات عـــادية تشبه محاكمات مبارك نفســـــها، وكأن الإخوان حين اعترضوا على المحاكمة الثورية لمبارك، أي المحاكمة بقضاء طبيعي طبقا لقانون خاص، كأنهم حين فعلوا ذلك، كانوا ـ غريزيا ـ «يقدمون السبت ليلتقوا الأحد» على حد تعبير مثل شعبي مصري معروف.
نعم، ليست هذه المحاكمات العادية هي المطلوبة، ومع كامل الاحترام لأشخاص القضاة، فليس الخلل عندهم، بل الخلل في طبيعة المحاكمات ذاتها، واغتيالها لقضية الثورة، فالقضاة يحكمون باسم الشعب، ولا يعقل لحكم يصدر باسم الشعب أن يناقض حكم الشعب نفسه، وقد أصدر الشعب المصري حكمه غير القابل للنقض، وقررت ملايينه الثائرة خلع مبارك وجماعته، ورميها في مزابل التاريخ، كان حكم الشعب هو إعدام نظام مبارك، وهو الحكم الذي لم ينفذ إلى الآن، وأعاقت تنفيذه سلطات توالت، تدور في دائرة الثورة المضادة ذاتها، فقد تواطأ حكم الإخوان ضد الثورة، وتعامل مع البلد كغنيمة حرب، وهو ما أدى إلى تحرك الشعب المصري ثانية في 30 يونيو/حزيران 2013، وخلعه لحكم مكتب الإرشاد، وبدون أن نصل بعد إلى شاطئ ختام، تستريح إليه الثورة، فلم تتحقق إلى الآن بديهيات الثورة، ودخلنا في حواري وزواريب، ومن نوع مكافحة الإرهاب الذي ينتـــحل صفة ثورة 25 يناير، وغض الطرف، بل وتشجيـــع جمـــاعة الفلول التي تنتحل صفة 30 يونيو، وتعيث في الأرض فسادا، وتسيطر لا تزال على مـــوارد البلد المنهوب، وتتحكم بالفضائيات ووسائل الإعلام، وتفسح لاستمرار هيمنة «رأسمالية المحاسيب»، وتنشر وعيا مزيفا مزورا، يختصر أعداء الشعب في إرهاب الإخوان، ويتواطأ مع الفساد، وهو العدو الأخطر، الذي يقدمونه كصديق حميم، ويقدمون رمزه مبارك باعتباره الحمامة الوديعة، التي أنصفها القضاء بمحاكماته العادية هزلية النهايات (!).
والقصة أكبر من أن تدور وتنتهى في أروقة القضاء، فلسنا بصدد منصة محكمة، بل بصدد منصة التاريخ، ولا يمكن لسلطة أن تدعي وصلا بالثورة، بدون أن تنجز مهامها، فالثورة ـ أي ثورة ـ عملية كنس لنظام قديم، والتقدم لبناء نظام جديد لم نصل إليه بعد، بل ولا يمكن الوصول إليه بغير كنس النظام القديم، وبإجراءات ثلاثة عاجلة، تعرفها سيرة أي ثورة، وهي المحاكمات الجدية الثورية التي لم تجر إلى الآن، والعزل السياسي الشامل الذي لم يتم التطـــــرق إليه، ومصادرة الأموال المنهوبة التي لاتزال أصولها في أمان تام، تلهو وتلعب وتسخر من الثورة وأهلها، وعلى طريقة خطب النصر التي يلقيــــها أحمد عز وأشباهه، وهو ما يفسر حالة الحيرة والارتباك والخلط المتفشية في مصر الآن، وسيادة الإحساس العام بالتشوش وافتقاد الطريق، فلا يصح القفز على ما كان، وبدعوى أننا ننسى الماضي، ونفكر في المستقبل، ولسبب بسيط ظاهر، وهو أن الماضي ـ المشار إليه ـ حاضر بثقله وبؤسه في حياتنا الراهنة، ويقيد حركة الخطو إلى المستقبل، وينشر شعور اليأس الذي يطارد الأمل، ويكاد يخنقه، وكأن ثورة لم تقم، ولا عدالة حلم بها الشعب المصري، الذي أصدر حكمه الأحق بالرعاية من أحكام القضاة.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل