< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

حقائب العام الجديد

«حالة خطيرة أخرى من مصر، كنا نظن أننا قد رأينا أسوأ الحالات بالفعل، حتى رأينا حالة هارت»، تعليق لا يرتبط بما يمكن ان يتبادر للذهن من حالات اعتقال أو تعذيب تخص البشر، ولكنه من المنظــــمة الأمريكية لإنقاذ وإعادة تأهيل الحيوانات ذوات الاحتياجات الخاصة «ستار» بعد أن تعرضت الكلبة «هارت» لإلقاء مادة كاوية على الوجه والجسد أدت لفقد البصر وإصابات أخرى.
خبر قد يراه البعض هامشيا ولكنه في عمق الحديث عن قيمة الحياة وآلية التعذيب، والعلاقة بين المنفعة الشخصية وما يراه البعض منفعة عامة أو جماعية، لجماعة معينة وإمكانية تحققها على حساب حياة الآخرين. يضاف له خبر عن أول قنبلة في العام ليستحضر صورة الحقائب القديمة التي نحملها معنا من عام لعام، ليس في مصر وحدها ولكن في منطقتنا العربية التي تتشابه في المشكلات وأسبابها وتطوراتها لدرجة كبيرة، ربما لاستمرار طرق التعامل التي تذكرنا بحديث غسان كنفاني عن ضرورة تغيير المدافعين عن القضية عندما نفشل في حلها. فما نشهده في معظم الأحيان هو تغير الاسماء بدون تغير العقليات الحاكمة التي تنتقل معنا من عام لعام ومن رئيس لرئيس.
يبدأ عامنا الجديد بطريقته التقليدية مهما حاول البعض إضاءة مصابيح الاحتفال، لأنها بدلا من ان تصنع البهجة تثير دوما التساؤل عن القيمة التي أنفقت عليها في عالم يشهد موت طفل بسبب الجوع، ولا يجد فيه الآلاف موقعا للحياة وسط مخيمات متنوعة ومتعددة قد تبدأ من فلسطين ولكنها لا تقف عندها بعد أن تعددت القضايا وتوسع اللجوء.
أين كنا وكيف أصبحنا وإلى أين نذهب؟ نختلف في وصف الماضي وفهم الحاضر ولا نملك تصورات واضحة عن المستقبل. ولأن سياستنا تأتي عادة من كتب قديمة، ومن يقوم على الحل قد يكون سبب المشكلة، فإن المشكلات تستمر أو تتجدد.
ويظل من الضروري أن نطرح السؤال، هل عامنا جديد حقا، وهل يمكن أن نتحدث عن عام جديد، إن كانت حقائبنا قديمة وكتبنا وأوراقنا وأقلامنا التي تحملها قديمة، وإن كانت لغتنا وعقولنا قديمة. هل نملك غدا مختلفا إن كان الحاضر محكوما بمعطيات ومسلمات الماضي، الذي أنتجه والذي لا يملك إلا أن يعيد الأمس وإن اختلفت الصور، ولنا في «داعش» وغيره من صور الإرهاب المحتكر للدين نموذجا واضحا للتطور العولمي الطابع.
قد تبدو الصورة محبطة في ظل التأكيد المستمر على حتمية استمرار القديم، وقد يفقد البعض الرغبة في التغيير، لأن الأمس المعروف أفضل من القادم المجهول. ولكن يظل من المهم التأكيد على أن جوهر قضية «هارت» يتشابه مع قنبلة الشارع، وعنف السلطة بصوره المختلفة لأنها جميعا، وفي غياب القانون والمحاسبة، تعمل على الترويع وبث الخوف وترى العنف منهجا والقتل أداة والروح والحياة قضية هامشية في سبيل مصلحه ذاتية للفرد، أو الجماعه كما يعرفها أصحاب السلطة.
ننقل حقائبنا معنا وهي مملوءة بتساؤلات لا تتوقف ولا تصل إلى إجابات واضحة عن قيمة الحياة والإنسان والقيم العليا. هل الديمقراطية جيدة وحقوق الإنسان والحريات ضرورة أم لا، سؤال تتفرع عنه نقاط كثيرة، يقع في قلبها تأكيد اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية الأسبق، على أن الشعب غير مؤهل للديمقراطية. رؤية تتكرر بصور مختلفة في النظم غير الديمقراطية، وتوجد أيضا عبر طرق غير مباشرة تقوم على إيصال رسائل للشعب، محتواها أنه المشكلة وليس الحاكم والحكم مع إسقاطات تقوم في معظم الأحيان على استخدام خطاب ديني.
يتم تناسى الكثير من التفاصيل والأمثلة الحاضرة والتاريخية عن دور القيادة في تغيير أوضاع الدول الداخلية أو الخارجية، وعن دور الفرد في صناعة التاريخ. لا يعني هذا الحديث عن الحاكم الفرد أو الديكتاتوريات، ولكنه حديث عن الفرد في سياق حالة قد تكون في نظم غير ديمقراطية، وقد تكون ضمن ديمقراطيات حديثة أو قائمة. في الوقت الذي يكون من المهم فيه تسجيل المشكلات يتم الحديث عن دور الشعب وضرورة التكاتف والصبر وربط الحزام. وعندما يكون من الضروري الحديث عن التفويض والسياسات التي تتجاوز الحقوق والحريات وتجعلها في مكانة متأخرة في سلم الأولويات يبدأ الحديث عن الزعيم والزعامة والفرد الذي غير أمة وصنع تاريخا. تبدو الصورة واضحة التناقض ومحملة بسمات الحقائب القديمة التي نحملها من عام لعام، ومن حاكم لحاكم.
ومما يزيد من فرص رؤية التناقض التطور في التكنولوجيا والإعلام ووسائل الاتصال. قد يرى البعض في الإعلام عاملا سلبيا في ظل الأوضاع الداخلية في مصر والتسيس الذي يحول بعضها إلى جزء من المشكلة وليس الحل، نتيجه تغييب المعلومة السليمة والحوار الموضوعي وتهميش الجدل الدائر وتفريغ القضايا الكبرى من قيمتها. ولكن من شأن توسع الاتصالات والقدرة على الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومة التأثير الايجابي على الأحداث، فالحقيقة لها أكثر من وجه وهو ما يعني ضرورة البحث عنها في أكثر من مصدر.
انتهى العام بجدل مهم حول فيلم «المقابلة» الذي أنتجته شركة «سوني بيكتشرز» عن محاولة اغتيال زعيم كوريا الشمالية. جدل امتد من السياسة إلى الاتصالات، عبر استهداف سوني لدرجة إعلانها ايقاف عرض الفيلم قبل تراجعها عن القرار، كما تم استهداف شبكة الانترنت في كوريا الشمالية تاليا. استهداف سوني تم التعامل معه بوصفه تهديدا إرهابيا يمس أسلوب حياة المواطن كما يفهم من حديث الرئيس الأمريكي باراك اوباما عن خطورة أن تحدد كوريا الشمالية ما يمكن لهم مشاهدته. الجدل حوّل الفيلم إلى قضية شجاعة ودفاع عن حق المواطن الأمريكي، مقابل قدرة النظام الكوري الشمالي على التحدي وتهديد أمريكا في الداخل، رغم عدم إعلان مسؤوليته المباشرة. ولكنه أكسب الفيلم الكثير من الدعاية التي ساهمت في انتظاره والمكاسب التي حققها بغض النظر عن تقييمه الفني. وبهذا يقدم الحدث بتفاصيله درسا مهما عند النظر لردود فعل أطرافه في كيفية تضخيم القضايا أو تهميشها، وفضيلة التجاهل في بعض الأحيان وترك الأمور للنقاش الموضوعي.
ينتهى العام الذي سماه البعض عام التسريبات التي امتدت من تسريبات سابقة للمتعاقد مع المخابرات الأمريكية إدوارد سنودن، إلى تسريبات مصرية تتعلق بمرحلة تولي الرئيس محمد مرسي للسلطة وما بعدها. وضع يساهم في كشف الكثير حول طرق الإدارة عندما يتم إعلاء عنوان الحرب على الإرهاب وتضخيمه على حساب الحقوق والحريات والخصوصية التي لا تتوقف على خصوصية الأفراد فقط، ولكن تمتد لرؤساء ورؤساء وزراء في الداخل أو الخارج، حسب امتداد الدولة وعلاقتها وقدراتها. كما تطرح تساؤلات أعمق عن القائم بعملية التسريب في تلك الحالات وعن طريقة تعامل المجتمع معها، وكيف يمكن لمجتمع التعلم من الأخطاء ولمجتمع آخر أن يقبل تلك الاخطاء أو يتعامل معها عبر تهميشها والتشكيك فيها، كما يبدو من التعامل المصري مع اخبار التسريبات وما تنقله الاخبار من التحقيق في التسريبات «المزيفة» حيث الحكم قبل التناول.
ساهمت وسائل التواصل بأنواعها في تغيير التعامل مع الدولة من فكرة الصندوق الأسود المغلق، إلى التعامل مع العالم بوصفه قرية صغيرة، ولازالت التطورات تقرب المسافات في الجوانب الإيجابية مثل المعرفة، والسلبية مثل الأمراض. كما ساهمت وتساهم في تفعيل فكرة الثورة أو المطالبة بالتغيير والإصلاح بما تقدمه من فرص لكشف الفساد أو التناقضات القائمة، وفرص للتنظيم والتواصل، ومجال لطرح أفكار جديدة وتقريب المسافات بين الداخل ومعاناته والخارج وما لديه من فرص. ورغم هذا يحاول البعض بناء المزيد من الأسوار أو تعلية الأسوار القائمة لمنع المعلومة، ولكن الحقيقة لا يمكن اخفاؤها مثلها مثل الشمس والقمر كما يقول بوذا، وكل محاولة للتركيز على الأسوار من شأنها أن تنتهي بمزيد من الشعبية والاهتمام على طريقة فيلم «المقابلة» أو برنامج «البرنامج».
ندخل العام الجديد بالكثير من الحقائب والأدوات القديمة، ولكن هناك عقولا وأدوات جديدة أيضا حتى إن لم تكن بالوضوح نفسه حاليا، كما أن العام نفسه يأتي لنا بالكثير من التحديات والفرص، وكل ما علينا أن نجد طريقا جديدا يقودنا لعالم أفضل لندخل يوما للعام الجديد محملين بحقائب تتناسب مع فرصه وتستطيع التعامل مع تحدياته، وحتى يحين الوقت نردد مع محمود درويش نحن أحياء وباقون وللحلم بقية.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين