< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

«البحث» لميشيل آزانافيسيوس: راهنيّة ارتكابات الجيش الروسي في الشيشان

باريس ـ «القدس العربي»: هي المرّة الأولى التي تُنقل فيها الحرب الروسية في الشيشان إلى صالات السينما وعلى مستوى عالمي، وذلك في فيلم «البحث» (The Search) للمخرج الفرنسي ميشيل آزانافيسيوس، الذي ابتعد في فيلمه هذا كثيراً عن فيلمه السابق «الفنان» (The Artist) وهو فيلم صامت يُصنّف كـ«رومانتيك كوميدي» نال استحسان النقاد وعدّة جوائز.
في فيلمه الأخير الذي يُعرض في الصالات الفرنسية (نافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان هذا العام) ويجمع بين الدراما والحرب، يصوّر آزانافيسيوس الحرب مركّزاً على الناحية الإنسانية، من خلال مأساة طفل شيشاني تائه، مأساة تجلّت في ملامحه ونظراته، وهو الذي قضى معظم الفيلم من دون أن ينطق بكلمة، بعدما شاهد والديه يُعدما أمام عينيه.
يبدأ الفيلم بفيديو واقعي، كالكثير من الفيديوهات التي تنتشر اليوم عبر «يوتيوب» وتظهر فيها وحشيّة الجيوش في تلذّذ جنودها في تعذيب مدنيين وقتلهم، ويذكّر الفيديو الذي استهلّ الفيلم به وبُني عليه، المُشاهدَ العربي بممارسات جنود النظام السوري والجنود الإسرائيليين كما تصلنا عبر الإنترنت، وهذه مقدّمة تهيّئ المُشاهد العربي لراهنيّة عربية، في ما سيرويه له الفيلم.
يبدأ الفيديو بما سينتهي به الفيلم، كونه مقسّما زمنياً إلى روايتين منفصلتين تُعرضان متوازيتين، لنعرف أخيراً أن واحدتهما تبدأ بانتهاء الأخرى. الرواية الأولى تبدأ بمشاهدة الطفل حاجي لأهله عبر نافذة البيت، يتم إعدامهما بدم بارد من قبل جنود روس يتلذّذون بذلك، ويصوّرون بكاميرا فيديو منتشين بهزلهم، قائلين انظروا إلى هذه العائلة، إنهم إرهابيون. أمّا مصوّر هذه اللقطات، فهو صاحب الرواية الثانية التي يطرحها الفيلم، التي تبدأ باعتقاله من قبل الشرطة الروسية وإرساله إلى الجيش، ومن ثمّ إلى الجبهة للقتال، وهناك يقتل مدنيين ويجد كاميرا ويمشي بها إلى أن يصوّر رفاقه في الجيش وهم يعدمون العائلة.
الفيلم إذن يبدأ بفيديو حقيقي، يستمر لدقائق، ينتقل من هذه المشاهد الواقعية إلى مشاهد روائية مع الطفل حاجي، الذي يبدأ مشياً على قدميه رحلة إلى المدينة، بعيداً عن قريته. مقابل ذلك نشاهد على خط مواز كيف وصل هذا الجنديّ إلى الكاميرا وبدأ التصوير.
تُظهر بنية الفيلم تناولاً ذكيّاً ونادراً سينمائياً، بحيث يعتمد أولاً على فيديو واقعي ينطلق منه إلى فيلم روائي، بانياً روايته الخيالية على هذا الفيديو، راوياً ما حصل مع الطفل بعده وما قد حصل مع الجندي قبله، متخيّلاً أن هنالك طفلا يشاهد عملية الإعدام الميداني، ومنه استكمل روايته لافاً بها، عبر الجندي المصوِّر، عائداً إلى الفيديو ذاته. ويعتمد ثانياً على هذه اللّفة الدائريّة التي تجعل الفيلم يروي حياتين بشكل متقابل، تلحق زمنياً واحدتهما الأخرى.
بعيداً عن التقنية التي بدأ بها آزانافيسيوس فيلمه وأنهاها بها، فالفيلم يركّز أكثر على حياة الطفل حاجي، ومندوبة لجنة حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي كارول (بيرينيس بيجو، بطلة فيلم «الفنان»)، يرى حاجي أهله يُعدمون أمام البيت بتلذّذ الجنود الروس، ابن اخته الرضيع في الغرفة معه، يسمع الجنود صوت الرضيع يبكي (هذا مربط الفيلم بالفيديو الواقعي حيث يُسمع صوت رضيع فعلاً في الفيديو)، يسمعه الجنود ويدخل أحدهم إلى البيت، حاجي يختبئ، يرحل الجنود عن المكان فيعد حاجي حقيبة ويرحل عن القرية حاملاً الرضيع، الذي سيتركه ليلاً أمام بيت ويهرب. يجول في المدينة على الحدود الشيشانية الروسية، جائعاً وتعباً، يلتقي بكارول التي تعطيه قطعة من فطيرة اشترتها، فتتركها كلّها له، فتقلّه معها إلى بيتها وتعتني به، الطفل لصدمة وروع ما رآه، عاجز عن النطق، ستتطور العلاقة بين الاثنين ليتصادقا.
من ناحية أخرى نجد كارول تعمل جاهدة لتوثيق حالات اعتداء واغتصاب قام بها الجنود الروس ضد مدنيين شيشانيين، محضّرة بذلك تقريراً للجنة حقوق الإنسان ولكلمة ستلقيها أمام مندوبي الدول في الأمم المتحدة، لإقناعهم بضرورة الإعلان بأن الوضع هناك قد وصل لمرحلة «الكارثة الإنسانية» بفعل قصف الجيش الروسي واجتياحه، تفشل في ذلك لحسابات الدول، خاصة الكبرى منها، في ما يخص روسيا الجديدة، الصديق الجديد بقيادة يلتسن الذي أنقذ روسيا، حسب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من إعادة الحكم السوفييتي إلى روسيا بعد إصلاحات غورباتشوف. لم يشر آزانافيسيوس إلى تفاصيل كهذه الأخيرة إلا أنها ستفرض وجودها أخذاً بعين الاعتبار المعادلات والاعتبارات الدولية في أواخر القرن الماضي.
على خط مواز يروي الفيلم قصّة الجندي الروسي كوليا (ماكسيم إيميليانوف) الذي قبضت عليه الشرطة الروسية لتدخينه الحشيش، وهو شاب يحب موسيقى الروك والكوكاكولا، يبتزّه المحقّق مخيّراً إياه بين الحبس أو الالتحاق بالجيش، فيختار الأخيرة، هناك يتعرض للضرب والإهانة إلى أن يتم إرساله إلى الجبهة في قتال من يسميهم الروس بالإرهابيين في الشيشان. الشاب اللطيف المسالم سيصير متوحّشاً، سيضحك عليه رفاقه لأنه لم يزل قاتلاً مستجدّاً، سيضحك معهم وسيصير قاتلاً متمرّساً، سيجد كاميرا في إحدى المعارك، سيحملها ويصوّر الخراب والقتل الذي تسبّب به الجيش، ينتهي الفيلم هنا، وهو تماماً ما بدأ به في تصوير واقعي بنى الفيلم حبكته وتخيّل المخرج رواية كل من حاجي وكوليا على أساسه.
والحال، لا يصوّر الفيلم وحشيّة قوّة عظمى كروسيا وطغيانها فحسب، بل كذلك التواطؤ الفاضح لقوى عظمى أخرى، منافِسة لروسيا، كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الدول التي لمصالح تخص كل منها سكتت عن الوحشية الروسية، فهي بالنهاية لا مصالح لها مع الشيشان ومدنييها، إنما مع روسيا يلتسن، هو الحال ذاته ما نشهده اليوم بين هذه الدول الغربية وبين روسيا بوتين (الذي كان رئيس وزراء آنذاك) في ما يخص المسألة السورية. كما يصوّر الفيلم الانفصال الذي تعيشه مندوبة هيئة حقوق الإنسان عن الواقع المرسلة إليه، والترف النفسي الذي تعيشه وابتعادها، كامرأة فرنسية، عن فهم ومراعاة المآسي من حولها، أوّلها مأساة الطفل.
لا يُعتبر الفيلم سياسياً، إنما هو فيلم دراما وحرب، لكن راهنيّة ما يرويه وتقاطعاته مع الحالة السورية، هو ما يمكن أن يعطيه إسقاطات سياسية، خاصة للمشاهد العربي الذي لن يغيب عن ذاكرته هذا الكم الهائل من الفيديوهات التي تصوّر أعمالاً وحشية ارتكبها جنود بحق المدنيين في سوريا، فيديوهات، ما بدأ الفيلم به هو واحد منها، إنما بنسخة روسية. أمّا الطفل حاجي، بنظراته الخائفة وملامحة القلقة فيفطر القلب، لما لاقاه في الفيلم أولاً، ولما يمكن أن تذهب به افتراضاتنا ألى أطفال من فلسطين والعراق وسوريا كانت لهم نظرات حاجي وملامحه، من دون أن يفطن لها أحد.
يمكن الانحياز للفيلم فنّياً ودرامياً، إنما يمكن وبالقدر ذاته الانحياز له إنسانياً، وهذه إضافة نوعيّة للفيلم المُنجز.

سليم البيك