< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

«حاضرون رغم الغياب» حملة مدنية للمطالبة بحريّة أربعة مخطوفين جمعت السوريين من جديد

بيروت – «القدس العربي»: عامٌ مضى على غيابهم القسري. رزان زيتونة المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، وزوجها الناشط السلمي وائل حمادة، وسميرة الخليل معتقلة سياسية سابقة، وناظم حمادي شاعر ومحام وناشط في الدفاع عن معتقلي الرأي في سوريا.
عامٌ مضى منذ أن اقتحم مجهولون ملثمون عتمة الليل، واختطفوا الناشطين من مقر عملهم في «مركز توثيق الانتهاكات في سوريا»، في مدينة دوما الخارجة عن سيطرة القوّات الحكومية، والخاضعة لسيطرة فصائل عسكرية مقاتلة عدّة، من أبرزها «جبهة النصرة» وفصيل «جيش الإسلام» بقيادة زهران علوش، الذي نفى ارتباطه بعملية الخطف، دون أن يقدّم أي معلومات عن الجهة الخاطفة أو مكان احتجاز المخطوفين الأربعة، طوال عامٍ كامل، على الرغم من أنّ جميع الدلائل تشير إلى ارتباط «جيش الإسلام» بعمليّة الخطف، خاصّة وأنه الجهة الأكثر سيطرة في المنطقة.
مُستعيراً من الكاتب الأمريكي إدوارد آلبي عنوان مسرحيته الشهيرة «من يخاف فرجيينا وولف»، 1962، ومعنوناً: «من يخشى رزان زيتونة ؟»، كتبَ كرم نشار: «منذ زمن ليس ببعيد حدث أن قادت امرأة شابّة إحدى أكبر شبكات الناشطين السوريين المناهضة لنظام الأسد. كانت تملك عينين زرقاوين وتكشف شعرها الأشقر، تتحدّث الإنكليزية وتحمل إجازة في الحقوق، وكانت علمانية مخلصة. لكنّ رزان زيتونة لم تكن مهتمّة بعرض أيٍّ من هذه ‘الصفات’، أو في أن تصبح أيقونة دولية. لقد آمنت بعالمية الحرية وحقوق الإنسان، ولكنها آمنت أيضاً أنّ مثل هذه القيم تكتسب الحياة والمعنى فقط في معارك جدّ محلية».
وأيّ فصلٍ مسرحي يجب أن يُكتب سوى «مخطوفو دوما»، كفصل رابع أو خامس في دراما الحراك الثوري السوري؟ ألا تأكل الثورات أبناءها؟ ألا يبتلع تجّار الدم كلّ شيء حيناً؟ وينقلب الثوّار إلى عشّاق مناصب ولاعبين سياسيين؟
يقول ناظم حمادي في ديوانه «أوراق التوت الغامضة «، الصادر عام 2005 عن دار «التكوين»: «هذا الصباح جسرٌ/ إلى متى يا قبعة الخوف/ أحفر وجهاً آخر/ أخبئه في مصافحة أيدي الأصدقاء/ وأمرّره سراً/ بين رعشات عيونهم…؟/ هذا الصباح نهرٌ/ موجاته آلاف القبعات».
في مقالاتهم الأولى، كانت الغالبية تعاني من وقع الصدمة. صدمة أن تُخطّف زيتونة التي عملت منذ 2004 في الدفاع عن معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين في سوريا، وكانت من أوائل من اعتمد التوثيق لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، فأسّست «رابط معلومات حقوق الانسان في سوريا» عام 2005، ثمّ في مطلع 2011 كانت من مؤسسيّ «لجان التنسيق المحليّة»، أن تُخطّف «موثقّة انتهاكات حقوق الإنسان» في منطقة خارجة عن سيطرة القوّات السورية. صدمة اختطاف سميرة الخليل في دوما، وهي التي اعتقلت أربع سنوات (1987-1991) في سجن دوما للنساء بحكم صادر عن السلطات السورية لنشاطها السياسي المُعارض. صدمة اختطاف وائل حمادة ابن المدينة الوفيّ، الرجل الذي اعتُقل على اسم زوجته في بلدٍ اعتقلت العشرات من نسائه على أسماء أزواجهنّ وأخوتهنّ واقاربهنّ منذ الثمانينات وحتى احتلال «داعش» الذي اتبــع النهج ذاته، واختطاف وناظم حمادي الذي تخلّى عن أحلامه حتى بحبّ عابر، عن كتابته، ومكتبه وعمله كمحامٍ، تخلّى حتـــى عن اســمه وكان معـــروفاً باســـم «عادل». صدمة أن يخطفوا من قبل من يدّعون انتماءهم إلى الحراك الثوري الذي وهب الأربعة حيواتهم لمطالبه في الكرامة والعدالة الإنسانيّة.
عامٌ مضى والغياب لم يزل قيد المخطوفين الأربعة، والعجز يكبّل أيدي عائلاتهم وأصدقائهم وزملائهم، وجميع المهتمين من هيئات حقوقية ومنظمات دولية، إذ إلى من يجب أن تتوجه الإدانة أو المناشدة في منطقة هي منطقة صراع عسكري مُسلّح؟ في القانون الدولي يتحمّل الفصيل العسكري المُسيطر كامل المسؤولية في حماية المدنيين المقيمين في المنطقة، وضمان مصيرهم وسلامتهم، ومسؤولية التعاون أو عدم التعاون لكشف مصيرهم بعد وقوع حادث الخطف، إلاّ أنّ هذا القانون خارج الصلاحية اليوم كما قبل عام، ولم تزل الجهة الخاطفة مجهولة، ولم يتحمّل أحد من الفصائل المسيطرة في مدينة دوما مسؤولياته في الكشف عن مصير المخطوفين الأربع.
تقول رزان في مقالها المعنون «خبراء توثيق الموت من أمثالنا، لا يبكون»، 2012: «تفاصيل الموت لا تنتهي، الآلاف منها في آلاف المقاطع المصورة. خبراء توثيق الموت من أمثالنا لا يبكون، يكتفون بالمشاهدة بأفواه فاغرة وجبين مقطب، وفي لحظات معينة، يسمعون صوتا يعوي داخلهم. ولا يكفون عن التساؤل، إن كانوا، هم من يوثقون الموت عبر شاشات أجهزتهم، أو أولئك من يوثقونه بأصابعهم وعيونهم، سيعودون يوما ما كائنات ‘طبيعية’، أم أنّ الموت ضمهم إلى برزخه حتى النهاية».
حين حدث الخطف، ضجّت أقلامٌ كثيرة، وكتبت مقالات استنكارٍ وتنديد عدّة، لكنها في معظمها كانت آنذاك من أصدقاء المخطوفين، كما حين كتب أسامة نصار في جريدة «طلعنا عالحرية»: «تريد أن تتضامن مع ناظم حمادي؟ كن أول شاعر يخلع ثوب النرجسية ويعمل في الظلّ… بلا اسم… ادعس ‘النجومية الثورية’تحت قدميك… قدّم الدعم للثائرين لأنهم ثائرون ولو اختلفت معهم. تسلّح بالصبر… كن أنت الصبر!».
مقاومةً للموت، مقاومةَ للغياب، إنقاذاً لأرواحنا من عجزنا ربما قبل أن يكون حراكاً من أجل إنقاذهم أو إنصافهم، كي نقول لا للخطف، لا للقتل، ونعم للحق في الحياة وفي الاختلاف، فقد أطلقت عائلات وأصدقاء المخطوفين، ونشطاء في العمل السلمي مع مرور عام على اختطاف الأربعة حملة «حاضرون في غيابكم». أطلقوا الحملة كسراً لجدار الصمت الذي يُفرض على قضية الاختطاف، بالكتابة، بالرسم، برفع صورة لاحد المخطوفين، بأغنية، بفيديو، بالتغريد على «تويتر»، والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي.
خلال أيام من شهر كانون الثاني نجحت الحملة في خلق حالة ثوريّة أعادت جمع شتات كثير من السوريين الذين فرقتهم الاصطفافات السياسية وخندق الرؤية الواحدة، فكتب مثقفون وناشطون عشرات المقالات عن كلّ من المخطوفين الأربعة، وبمختلف اللغات العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية. فكتب علي العبد الله بعنوان «عن صُنّاع الفجر الآتي»، وزياد ماجد نشر عنهم بأكثر من عنوان وفي أكثر من صحيفة، وكذلك فعلت ضحى حسن، وسواهم كثيرون. ياسين الحاج صالح (وهو متزوّج من سميرة الخليل) كتب مراراً حول الموضوع، ويقول في أحد حواراته المنشورة مؤخراً: «يظنّ هؤلاء بأننا طرفٌ سهل للاعتقال والتهجير والقتل. سنظلّ نقاوم هذا المنطق حتى لو لم نمتلك أسلحة. سيدفعون الثمن. هذا الثمن باهظ».
كما رفع أطفال وشباب، رجال ونساء، سوريون وعرب وأجانب، صور المخطوفين الأربعة وتناقلوها على مواقع التواصل الاجتماعي. من دوما، المدينة التي شلّها الخوف من الخاطفين والحصار والجوع والتعب، رفع ناشطون اللافتات: «ناظم حمادي.. دافعت عن حقوقهم، فحرموك من حقوقك»، و»رزان زيتونة، سميرة الخليل، وائل حمادة، ناظم حمادي عام على غيابهم.. يا حرية اغمريهم»، و»أعيدوا لنا أيقونة الثورة… رزان زيتونة».
كثيرون كتبوا تدوينات متنوعة وبلغات مختلفة، كثيرين رسموا صور المخطوفين مجتمعين أو أفراداً وخطوا بجانبها «خاين يللي بيخطف ثائر»، وفي عملهم هذا، بكلماتهم البسيطة وإنّما الصادقة، بمبادرات فردية قد تبدو عابرة، خلق تجمّع المبادرات هذه حالة عمل لخليّة نحل، ذكّرت سوريين كُثر بما نسوه أو تناسوه خلال أربع سنوات منذ اندلاع الحراك الشعبي المُطالب بالتغيّر في آذار 2011 وصولاً إلى الحرب العسكرية التي تشهدها مناطق مختلفة من البلاد، إذ يحدث أحياناً أن ننسى في سياق رغبتنا الشديدة للفوز بالصراع ،السبّب الذي من أجله بدأنا الصراع.
تذكّر كُثر أنّ المطلب الأساسيّ للحراك الذي اندلع في سوريا كان مطلباً حقوقياً، مطلب كرامة، وبشكلٍ أدق كان مطلباً بالكشف عن مصير أطفال درعا الذين خطّوا على الجدران بكل عفويتهم وطفولتهم عبارة تطالب بإسقاط النظام. بعد أربع سنوات عاد سوريون كُثر إلى الاجتماع في ساحة واحدة – ساحة جبران خليل جبران، بيروت – في اعتصامٍ تضامنيّ مع رزان وسميرة ووائل وناظم وكافة المعتقلين والمعتقلات والمخطوفين والمخطوفات في لبنان وسوريا.
تكريماً لكفاح المخطوفين الأربعة من أجل احترام حقوق الإنسان في بلد تمزقه الحرب، منحت مؤسسة «هاينريش بول» الألمانية جائزة «بيترا كيلي» لعام 2014 للناشطين الأربعة، وطالبت بإطلاق سراحهم. ومن جهتها أطلقت منظمة «النساء الآن من أجل التنمية» جائزة سنويّة لأفضل نص يخص تجربة شخصيّة أو شهادة حيّة ممّا عاشه السوريون منذ آذار 2011، على أن تحمل الجائزة هذا العام اسم «سميرة الخليل».
أمّا على المستوى الحقوقي فقد أطلقت أكثر من خمسين منظمة حقوقية سورية وعربية ودوليّة بياناً تطالب فيها الجهات المُسيطرة في مدينة دوما، العسكري منها والسياسي، بالعمل للكشف الفوري عن مصير المخطوفين الأربع وإطلاق سراحهم الفوري وضمان سلامتهم، هذا إلى جانب المطالبات التي أطلقتها جهات أخرى متنوعة ومن ابرزها مطالبة مفوض حقوق الإنسان في الحكومة الألمانية كريستوف شتريسر، وجين ساكي المتحدثة الرسمية باسم وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية.
تقول رزان زيتونة في إحدى مقالاتها: «لا أجمل من الاحتفاء بالحرية ورموزها. بأولئك الذين سلكوا أومازالوا يسلكون دروبا صعبة، من أجل حريتهم وحرية الآخرين، كل الآخرين. الحرية من الاحتلال، التمييز العنصري، الاستبداد، الفقر…الخ».
من أجل حريتهم، هم الحاضرون رغم الغياب، تستمر الحملة.

يارا بدر