< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

خريطة القوى السياسية التونسية بعد انتخابات 2014

تونس – «القدس العربي»: أفرزت الإنتخابات التشريعية التي أجريت في تونس يوم 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي خارطة سياسية جديدة اعتبرها البعض تعبيرا عن التوازنات القائمة في المرحلة الراهنة. إذ برز قطبان كبيران هما حركة نداء تونس وحركة النهضة، وثلاثة أحزاب مؤثرة سيكون لها وزنها في الساحة السياسية وفي لعبة التحالفات وهي الإتحاد الوطني الحر والجبهة الشعبية وحزب آفاق تونس.
كما تمخض عن هذه الانتخابات تراجع لأحزاب سياسية كانت إلى وقت غير بعيد فاعلة في المشهد السياسي وذات وزن معتبر. فلم يفز حزب التكتل الذي يرأسه مصطفى بن جعفر بأي مقعد في البرلمان، فيما لم يتحصل حزب الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي إلا على أربعة مقاعد بعد أن تحصل على 29 مقعدا في انتخابات 2011، كما لم يستطع تيار المحبة تكرار إنجازات العريضة الشعبية التي تأسس على أنقاضها.

النداء والنهضة في الصدارة

تأسست حركة نداء تونس سنة 2012 على يد وزير خارجية بورقيبة، رئيس الحكومة التونسية الأسبق الباجي قائد السبسي. وبمجرد تأسيس «النداء» طالته تهم بالجملة على غرار أنه امتداد لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل وأنه أحد تمظهرات الثورة المضادة وغيرها من التهم. ويدحض أبناء الحزب هذه الإتهامات بالقول بأن هناك أحزابا دستورية على رأسها وزراء سابقين لبن علي تعامل معهم الطرف المقابل ولم يعتبرهم امتدادا لحزب التجمع المنحل، كما يؤكد أنصار النداء على أن المنتمين السابقين للتجمع الدستوري الديمقراطي توزعوا على أغلب الأحزاب السياسية بما فيها الأحزاب المنافسة لهم.
ويعتبر الندائيون أنفسهم الجيل الخامس للحركتين الوطنية والإصلاحية التونسيتين اللتين تعود جذورهما إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويعتبرون أن فترتي حكم بورقيبة وبن علي مرحلتين فيهما إخفاقات وإنجازات ولا بد من تقييمهما بعقلانية حتى يمكن البناء على ما أنجز وتلافي وتصويب ما حصل من أخطاء وإخفاقات. وينتمي إلى نداء تونس دستوريون ويساريون ونقابيون وليبراليون وبعض القوميين والإسلاميين جمعتهم الكاريزما التي يتمتع بها قائد السبسي، وأيضا الرغبة في تحقيق التوازن في الساحة السياسية التونسية.
وتمثل حركة النهضة في الوقت الحاضر القوة الثانية في البلاد، وهي حزب سياسي يمثل التيار الإسلامي التونسي الذي تأسس سنة 1972 وأعلن رسميا عن وجوده سنة 1981 تحت مسمى حركة الإتجاه الإسلامي. وقد رحب نظام بورقيبة في البداية بالحركة الإسلامية ورأى فيها سندا لمواجهة اليسار فسمح سنة 1974 لأعضائها بإصدار مجلة المعرفة التي أصبحت المنبر الفعلي لأفكار الحركة لكنه سرعان ما انقلب عليها بمجرد أن تقدمت بطلب رسمي لنيل تأشيرتها القانونية سنة 1981.
رحبت الحركة بالإطاحة بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة من قبل زين العابدين بن علي وأمضت على ميثاقه الوطني سنة 1988، لكن العلاقة سرعان ما تدهورت بين الطرفين بعد انتخابات 1989 التي تؤكد الحركة على فوزها بها. وتعرض مناصروها لاحقا كما قادتها إلى السجن والتعذيب والنفي والتضييق على الحريات خلال ما يزيد عن عشرية من الزمان أطلق عليها النهضويون تسمية «سنوات الجمر» وبرر النظام القمع الحاصل خلالها للإسلاميين بعمليات عنف وانقلاب على الحكم قيل أن الحركة متورطة فيها.
بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير التي أطاحت بنظام بن علي نالت حركة النهضة تأشيرتها القانونية وفازت في انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 بـ89 مقعدا من أصل 217 ودخلت في ائتلاف حاكم مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات. فيما تراجعت في انتخابات 26 تشرين الأول/أكتوبر 2014 إلى المركز الثاني خلف حركة نداء تونس، ومن المرجح أن تشارك في الحكومة المقبلة وهي التي تدعم المنصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية دون أن تعلن عن ذلك صراحة.

الأحزاب المؤثرة

كما أفرزت انتخابات 26 تشرين الأول/أكتوبر 2014 أحزابا سيكون دورها حاسما في الإئتلاف الحكومي القادم على غرار الجبهة الشعبية، ذلك الإئتلاف الذي يضم 11 حزبا يساريا وقوميا بالإضافة إلى عدد من المفكرين المستقلين. تأسست الجبهة التي ينتمي إليها الشهيدان شكري بلعيد ومحمد البراهمي في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2012، وأسندت مهمة الناطق باسمها لحمة الهمامي، الأمين العام لحزب العمال الشيوعي الذي يعتبر أهم الأحزاب الأعضاء في هذه الجبهة، بالإضافة إلى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، حزب الطليعة العربي الديمقراطي، حزب البعث التونسي، حزب تونس الخضراء وأحزاب أخرى.
تأسس حزب العمال الشيوعي في 3 كانون الثاني/يناير 1986 من قبل عدد من المناضلين السابقين في منظمة العامل التونسي، وغير الحزب اسمه إلى حزب العمال حاذفا عبارة «شيوعي» في 10 تموز/يوليو 2012. ويتبنى الأطروحات الماركسية اللينينية ويرى في الديمقراطية وسيلة للنضال السياسي والدفاع عن الطبقات الكادحة والمحرومة.
منع حزب العمال من الترخيص لدى إعلان تأسيسه في أواسط الثمانينيات، لكنه استمر في نشاطه السياسي والنقابي المناهض للحكومة والمطالب بمزيد من الحريات النقابية والسياسية، ومزيد من تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية. واستمر معارضا قويا لزين العابدين بن علي، وكان الحزب الوحيد الذي رفض التوقيع على ما يسمى الميثاق الوطني الذي قدمه الرئيس عام 1988 لتنظيم الحياة السياسية ووافقت عليه بقية القوى والأحزاب السياسية بما في ذلك حركة النهضة الإسلامية.
شارك الحزب في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بقوائم «البديل الثوري» التي تحصلت على 63652 صوتا وهو ما جعله يفوز بـ3 مقاعد. ويضم حزب العمال إلى جانب منظمته الشبابية منظمة مساواة النسائية واليسار النقابي الناشط داخل هياكل اتحاد الشغل. وينتمي الحزب لندوة الأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية (الوحدة والنضال) ذات التوجه «الألباني»، وله وجود هام في الساحة الطالبية في صلب الاتحاد العام لطلبة تونس كما له وجود في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل.
وبالإضافة إلى الجبهة الشعبية فقد حاز الإتحاد الوطني الحر على مرتبة متقدمة في السباق التشريعي تؤهله للتفاوض على بعض المواقع في الإئتلاف الحكومي القادم. وهذا الحزب حديث النشأة إذ تأسست في 19 ايار/مايو 2011 عقب الثورة على يد رجل الأعمال الملياردير سليم الرياحي العائد من ليبيا ويسعى لإنشاء مجتمع حداثي على أساس ليبرالي اجتماعي.
وقد ساهم ترؤس سليم الرياحي لفريق النادي الإفريقي في كسبه لشعبية أثرت إيجابا على نتائج حزب الإتحاد الوطني الحر في الانتخابات التشريعية وعليه شخصيا في الانتخابات الرئاسية. حيث اعتبر سليم الرياحي منافسا جديا على رئاسة تونس و توقع البعض مروره إلى الدور الثاني محدثا المفاجأة.
وبالإضافة إلى الجبهة الشعبية والإتحاد الوطني الحر فإن حزب آفاق تونس الحائز على المرتبة الخامسة بثمانية مقاعد سيكون دوره حاسما في الإئتلاف الحكومي القادم بحسب تأكيدات أغلب الخبراء والمحللين، فبإمكانه مع الجبهة الشعبية أن يمكن حركة نداء تونس من الاستغناء عن حركة النهضة في الإئتلاف الحكومي القادم. لكن هذا الإئتلاف سيكون هشا في كل الحالات وغير قادر على تمرير مشاريع القوانين خصوصا إذا تعلق الأمر بالقوانين الأساسية.
وقد تأسس حزب آفاق تونس بعد الثورة وتحصل على التأشيرة القانونية في 28 اذار/مارس 2011. وكان وراء إنشاء الحزب عدد من الكوادر العليا من بينها ياسين إبراهيم الذي شارك في حكومة الباجي قائد السبسي ونال حقيبة النقل كمستقل وأصبح لاحقا رئيس الحزب.
والتصقت بالحزب صبغة النخبوية باعتباره يضم رجال أعمال ومثقفين وأساتذة جامعيين. وينتمي الحزب إلى العائلة الليبرالية الإجتماعية وقد أعلن رئيسه ياسين إبراهيم صراحة عن دعمه للباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية.

أحزاب تراجعت

ومثلما تمخض عن انتخابات 26 تشرين الأول/أكتوبر 2014 بروز أحزاب جديدة وازنة في الساحة السياسية نتج عنها أيضا تراجع محير لأحزاب سياسية كانت تصنف على أنها كبرى على غرار حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات. ويترأس الأول رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي فيما يتربع على أعلى هرم الثاني ومنذ تأسيسه مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي المنتهية ولايته.
وقد تأسس حزب المؤتمر يوم 25 تموز/يوليو 2001 على اثر التقاء عدد من المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمساجين السياسيين السابقين من مشارب فكرية مختلفة. ومن مؤسسيه المحامين محمد عبو وعبد الوهاب معطر وسمير بن عمر وعمر الشتوي والأستاذ الجامعي فتحي الجربي. واعتمد المؤتمر منذ تأسيسه منهجا فكريا ينطلق من الهوية العربية الإسلامية ومن القيم والأفكار التحررية الإنسانية. وقد رفضت السلطات التونسية في عهد زين العابدين بن علي منحه الترخيص القانوني والاعتراف به ولكن ذلك لم يمنع بعض عناصره من النشاط العلني.
تعرضت عناصر هذا الحزب إلى عديد من الاجراءات الانتقامية من قبل نظام بن علي، تراوحت بين حظر السفر والسجن والتعنيف. وواصل رغم ذلك نشاطه السري حتى قيام الثورة التونسية وتحصل على تأشيرة العمل القانونية في 8 اذار/مارس 2011.
فاز بالمركز الثاني في انتخابات 2011 لكنه لم يحصد سوى 4 مقاعد في انتخابات 2014 وهو ما يفسر اتهام البعض لحركة النهضة بأنها وراء حصول المنصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر على المركز الثاني في الانتخابات الرئاسية. فرئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر ذي الوضعية المشابهة للمرزوقي حصد عددا ضعيفا جدا من الأصوات في الانتخابات الرئاسية على غرار ما تحصل عليه حزبه (عضو الإشتراكية الدولية الذي تأسس في 9 أبريل/نيسان 1994، وحصل على تأشيرة العمل القانوني يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2002) من أصوات في الانتخابات التشريعية حيث لم يفز بأي مقعد، في حين أن المرزوقي حل ثانيا في الرئاسيات رغم هزيمة حزبه في التشريعية.
وشهدت هذه الانتخابات أيضا تراجع تيار المحبة الذي كان يسمى العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية، وهو حزب سياسي يتزعمه محمد الهاشمي الحامدي صاحب قناة المستقلة التي تبث من لندن مباشرة بعد الثورة. وقد تعهد هذا التيار قبيل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي ببرنامج إجتماعي لافت ومغر للناخبين.
وحلت العريضة في المركز الثالث في انتخابات 2011 بعد حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية، إلا أن نتائج تيار المحبة كانت هزيلة في انتخابات 2014، بالرغم من أن رئيسه حاز على نتيجة مشرفة في الانتخابات الرئاسية.
يشار إلى أن الساحة السياسية التونسية تغيرت بشكل كامل عما كان عليه الحال أواخر عهد بورقيبة فالحزب الدستوري الذي تأسس سنة 1920 وحكم تونس منذ استقلالها تم حله بعد الثورة، والحزب الشيوعي الذي عاصر الدستوريين منذ نشأتهم اندثر أو يكاد، فقد تغير اسمه إلى حركة التجديد زمن بن علي وخاض انتخابات 2011 ضمن ائتلاف القطب الحداثي ثم غير تسميته إلى حزب المسار الاجتماعي الديمقراطي وفشل في الحصول على مقاعد في البرلمان في انتخابات 2014، أما حركة الديمقراطيين الإشــتراكيين التي هددت عرش بورقيبة سنة 1981 فلم يعد لها وجود واقعي في الساحة السياسية التونسية.

روعة قاسم