< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

في أعمال الفنان السّوري عمران يونس: مقابر معلّقة على الجدران

هل رأيت الموت بشكلٍ شخصيّ، أو صورةً له على الأقل؟ هل تأملت هيبة الأموات لساعات دونَ أن تداعبكَ فكرة الخوف؟ هل تصوَّرتَ أن الموت من الممكن أن يكون مليئاً بالحياة، وأن الحياة مهما عَظُمت وتزيّنت من الممكن أن تُحبس داخل صندوق …. إجابتك بالنفي تعني أنَّك لم تطَّلع بَعد على عالم الفنان السُّوري عمران يونس (مواليد الحسكة 1971، وخريج كلية الفنون الجميلة في دمشق).
عالمٌ بقدر ما هو سيرياليّ، بقدر ما هو شبيهٌ بما نعيشه اليوم من موتٍ وقتلٍ ودمار، نحن خائفون لذا علينا أن نعتاد الموت كما اعتاده يونس: «لحظة الموت مرعبة إنَّها تتحوَّل إلى كوابيس حتّى في أحلامي» يقول هذا ويحاول صلب الجثث على خشب لوحاته. بعض أعماله تحوي تفاصيل نجهلها عن عالم القبور، سكَّانها أطفال! نساء ورجال، كلابٌ تنبح حولهم تحرسهم، وديناصورات تشاطرهم الموت، ذاك القاتل المحترف الذي سرق مباهج الحياة وسرق الألوان من أغلب لوحات يونس، تاركاً إيّاها في حداد مفتوح.
الأبيض والأسود إلهان في معبد لوحاته، يختزلان بحضورهما كلَّ الألوان الغائبة، وبينهما رماديٌ أدمن الحياد كالعالم من حولنا، رماديٌ يقف على حافة كلِّ الألوان، خجلٌ من أن يتلوَّن، يمسك بأيدينا نحو النهاية.
يقول فان غوغ، عن أفق الرماديّ في الحياة، في رسالته الأخيرة إلى أخيه ثيو: «الأسود والأبيض يلونان الحياة بالرمادي. للرمادي احتمالات لا تنتهي: رمادي أحمر، رمادي أزرق، رمادي أخضر. التبغ يحترق والحياة تتسرب. للرماد طعم مرٌّ بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تماماً: كلما تقدَّم العمر بنا غدونا أكثر تعلُّقاً بها… لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي.. ولكن لماذا؟ إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهي البؤس أبداً… وداعاً يا ثيو، سأغادر نحو الربيع».
يصف يونس طريقة عمله، هكذا: «طاقة الخط واللحظة بين الحياة والموت، إنه سؤال أحاول الإجابة عليه، كيف يمكن لهذه الخطوط المتدرِّجة من الأبيض والأسود ألا تكون ميكانيكية؟ هي التي تتداخل مع روحك وتنفخ في أشكالك ومساحاتك الروح وترصد الحركة الداخلية للشكل وتعمل عليها بحيث تكون الخطوط والأشكال نابضة بالحياة».
تلك الحياة الكامنة في خطوط يونس ستحملنا نحو الربيع المنتَظر الذي فرش بعض ألوانه القاسية عنوةً على عددٍ من أعماله، وتسلَّل كشعاعٍ ضوئي لبعضها الآخر، مشكِّلاً تابوتاً لأحدٍ يسكن زحمة الأموات، وكبقعة القنّاص الضوئية يضيء بعض الجماجم ليمتلئ جسد اللَّوحة بعد ذلك بعشرات الرَّصاصات، وكأنَّنا حين نقف في حضرة لوحته نستحضر الحرب أمام أعيننا وداخلنا.
الشخصيات الضخمة مع الشخصيات المشوهة أحياناً أخرى، تحتل بعض اللوحات معلنةً عالماً خاصاً يضرب عرض الحائط كلّ فرضيات الواقع، ويثبت بأن الفن مرآةٌ حقيقة لروح المجتمع لا لسطحه وقشوره، كلّما تغلغل الفنان في أحدهما (الفن – المجتمع) أخلص للآخر. يقول يونس: «كلما شاهدتُ أكثر، اختبرت المزيد من اللوحات و شعرت بأنَني أقترب من قلب الفن المعاصر».
الخطوط في أعمال الفنان غير واضحة وغير حادة بل متلاشيّة بخفة في المساحات اللونيّة، متقطّعة أحياناً تعكس حالة من التوتر والخوف الفائضين من أصابع الفنان ليملأا اللوحة، تقتربُ من العمل فتكاد تلمح أثر ضغط قلم الرصاص على الورق، فتسرح في حالة يونس النَّفسيَّة وتتخيله وهو يرسم و كأنّه ينحت الألم ويخلق منه أشكالاً وعناصرَ متماهية الملامح، لا شيء شخصياً هنا والأنوثة والذُّكورة غير مهمة فالجندريّة مسألةٌ لا تطال عمق الأفكار عند الفنان.
تتوزَّع مفردات اللَّوحة في فضائها بشكلٍ مدروس فالتوازن حاضر في قلب هذا الزَّخم الشكلي أو اللوني في أحيانٍ قليلة، الألوان المتقشفة هي الإضاءة المسيطرة على خشبة مسرح أعمال يونس ذي السطوح الديناميكية المليئة بالحركة أو الساكنة كأرض مقبرة. نعم إنها مقابر معلّقةٌ على الجدران كما قال يوماً الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري: «كم من مشاهد لحروب… كم من دماء مسكوبة ورؤوس مقطوعة معلقة على جدران المتاحف، من جدران كهوف اللاسكو الى لوحات الحروب الكلاسيكية…».وفي حال سُئل يونس لماذا فعلت ذلك؟ لِمَ دفنت هؤلاء وزرعتهم ضمن صناديق خشبية على لوحاتك؟ أظنه سيجيب مثل بيكاسو عندما سُئل حين فرغ من رسم لوحته «غيرينكا» التي يصوِّر فيها دمار تلك القرية على يد الفاشية، حيث جاء منهم من يسأله: أنت الذي فعلت ذلك؟ ليرد عليهم: بل أنتم!
يونس فنانٌ نجح في التقاط النواحي الانفعالية في النفس الإنسانية والتعبير عنها بأساليب متنوّعة، وبقي سؤاله «من أنت أيّها الموت» حائماً في لاوعي كلّ من يدقق في أعماله، خالقاً حالةً من الاحتجاج على الواقع و معطياته.
وعن يونس يقول النَّاقد اللبناني حازم سليمان «تطلُّ تجربة هذا الفنّان الشَّاب الخارج من تراكمات المحترف التشكيلي السوري، والمنتبه إلى أن إنجاز تجربة مغايرة وجديدة، يتحقق من مشاهدات دقيقة واختبارات عميقة للقدرات الفردية والحرفة والموهبة. إنها إحدى المهام القاسية التي يلزم بها الفنان نفسه، إذ يُخضع الحياة لمراقبة ذكيّة تخوِّله تقديم مشهديات واقتطاعات، يؤسِّس عليها ما يمكن تسميته الفرجة أو الحكاية البصرية، ويبني من خلالها أيضاً صورة الفنان وتداخله مع مكونات العالم، أو احتجاجه عليها، أو حتى لامبالاته بها».

بسمة شيخو