whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

صراخ القوميات على تخوم عين العرب – كوباني الصراع على صدارة المأساة

لم يكن ينقص المنطقة التي تشهد انفجاراً للتعصب الطائفي إلا جوقات التعصب القومي التي تصاعدت على وقع معركة عين العرب ـ كوباني. هكذا يمضي ما كان يوماً وجداناً وطنياً إلى المزيد من التمزق، يصعب معه أن نتخيل شكلاً واحداً للوطن. لكن ما الذي حوّل حكاية صمود مدينة صغيرة أمام جماعة متطرفة، يتفق الجميع تقريباً على دمويتها، إلى منبع للمواقف المتشنجة بين العرب والكرد في سوريا، الدولة التي لم تشهد منذ تأسيسها صراعاً مفتوحاً بين القوميتين.

سوريا جنوب كوباني.. أم كوباني شمال «داعش»
أكثر ما أثارته قضية عين العرب ـ كوباني بالنسبة إلى السوريين من غير الكرد، هو حالة الاستياء الواسع من الاهتمام العالمي بالمدينة على حساب كل أوجاع بقية الجغرافيا السورية، والتشكيك بأهداف تركيز ضربات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية بينما يترك جيش النظام، والميليشيات الطائفية الموالية له، لإكمال مهمة قصف وتدمير البلاد.
من المفهوم أن تتصاعد مشاعر الكره والحقد ضد التحالف الذي تقوده أمريكا أمام هذا التمييز الظالم، لكن من غير المفهوم، أن توجّه هذه المشاعر ضد الكرد الذين نالوا حظوة أمريكية في هذه اللحظة. فالكرد ليسوا أصحاب قرار في البيت الأبيض، غير أن من حقهم في المقابل أن يسعدوا بالتدخل الذي أمّنته جملة من الحسابات السياسية الأمريكية. وربما سيكون من المفيد التذكير بأن السوريين المنكوبين كانوا قد هللوا للتدخل العسكري الذي لوحت به أمريكا بعد استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة الدمشقية، وأكثرهم فرحا لقصف الطيران الإسرائيلي لمواقع الحرس الجمهوري. ذلك أن أي جهد لوقف أو تخفيف مجازر السفاح، هو ولا شك، موضع ترحيب من قبل الضحايا. ولا أعتقد أن أحداً منهم كان سيخفي فرحه لو أن مقاتلات أجنبية منعت حصار أو احتلال جيش النظام لأي مدينة سورية، ولا أعتقد أن كاتباً كان سيفسر تلك الفرحة بوجود علاقة تاريخية خاصة تجمع السوريين بالغرب!
أما الاهتمام العالمي بالمدينة، وبالمقاومة الكردية فيها، فجاء بعد إعلان البيت الأبيض أن «داعش» بات العدو العالمي الأول، لذلك أصبح الصراع ضده، وتحديداً صراع التحالف ضده، الخبر العالمي الأول. من هنا برزت موجبات الاهتمام الإعلامي بالمدينة المنكوبة بعد صمودها في وجه مقاتلي «داعش»، الصمود الذي سرعان ما أحرج بدوره الإدارة الأمريكية فاضطرت للانتقال من حالة توقع سقوط المدينة، والتقليل من أهمية معركتها، باعتبار استراتيجية الولايات المتحدة لا ترتبط بتطورات الأوضاع فيها، إلى حالة تركيز الضربات على مقاتلي «داعش» في محيط وداخل المدينة، ومن ثم جعلها رمزاً لمواجهة التنظيم المتطرف، وفرصة لتحقيق نصر يبحث عنه التحالف بشغف كي يُظهر أن لحربه ضد «داعش» نتائج واقعية، ولو في إطار جغرافي ضيق.
في كل ذلك لا يمكن أن يوجه اللوم للكرد بأي حال، لا لصمودهم في المدينة، ولا لحسن إدارتهم لعملية التعبئة الإعلامية، وبالتأكيد لن يلاموا على تضامنهم الذي تجاوز الحدود السورية ما جعلهم يرسمون على ضوء دماء عين العرب ـ كوباني خريطة لجغرافيا الشعب الكردي. ولعل دخول البيشمركة الكردية العراقية إلى المدينة، الذي حفّز بدوره الجوقات العنصرية، يأتي في سياق وحدة الدم التي فرضتها هذه المعركة، لكن أيضاً في سياق الاستراتيجية الأمريكية التي وجدت في الكرد القوة العقلانية والمنظمة الوحيدة القادرة على وقف تقدم «داعش»، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تلعب دوراً مهماً في الضغط على الأطراف الكردية، العراقية والتركية وتوابعها في الإطار السوري، للتوحد في مواجهة التنظيم. وهو ما لقي ترحيباً واسعاً من قبل غالبية الكرد.
ومرة أخرى، لا يبدو أن هناك ما يستحق الاستنكار في ترحيب الكرد بتدخل البيشمركة، أو بتوحد الفصائل الكردية المتناحرة؟ وهل كان سيتردد أحد من أهل الثورة السورية في التعبير عن فرحته لو أن جيشاً عربياً دخل البلاد لحماية درعا أو حمص أو حلب. أكثر من ذلك، ألم يكن الجميع ينتظر ترجمة أقوال رجب طيب أردوغان، في الأشهر الأولى من الثورة، حين قال إنه لن يسمح بحماه ثانية، قبل أن يخيب رجاء المنتظرين. ثم ألا يبدو التضامن النوعي الذي أظهره الكرد في تركيا تجاه لاجئي عين العرب ـ كوباني مثالاً يحتذى، أو مثالاً يستدعي البكاء حين نقارنه بحال اللاجئين السوريين الآخرين في الدول العربية!
«داعش» العربية ضد حزب العمال الكردي
غير أن الكثير من ممارسات الاستفزاز والتعصب بين القوميتين تعود في أساسها إلى حرب الدعاية التي يخوضها كل من تنظيم الدولة الإسلامية من جهة وحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. حرب حمّلت الصراع القائم بينهما عنواناً وهمياً هو «حرب العرب ضد الكرد». فرغم تنوع المشارب القومية لمقاتلي التنظيم المتطرف، ورغم أن أغلب ضحاياه حتى الآن هم من العرب، إلا أن إلصاق صفة العروبة به ظلت ممكنة بسبب غلبة الحضور العربي بين مقاتلي التنظيم، مقابل ضعف الحضور الكردي، إضافة إلى التحالفات الدعائية التي قام بها «داعش» مع مجموعات قبلية عربية موجودة على تخوم وداخل المناطق الكردية، واستحضاره لمرتزقة من سكان تلك المناطق للسطو على القرى الكردية التي هُجّر أهلها. قبل أن يدرك التنظيم أن تلك الممارسات زادت من وحدة الجبهة الكردية ضده، ليحاول الاستدراك بإطلاق سراح رهائن كرد ليثبت أنه كتنظيم «إسلامي» يتجاوز الانتماءات القومية، بل إن آلته الإعلامية سمّت المدينة بعين الإسلام كي يتخفف من أي بعد قومي لدمويته.
من جهته وجد حزب العمال الكردستاني في الخلط بين «داعش» والعرب فرصة ذهبية لوضع حدود نفسية بين الكرد والعرب في سوريا، خاصة أن أكثر الكرد في هذا البلد بعيدون عن التقوقع القومي ويعيشون حالة من الاندماج والتوزع الجغرافي لا تروق للتنظيم الإيديولوجي، وتشكل عائقاً أمام استنفاره للعصبية الكردية لضمان حدود كردستان الكبرى كما يتصورها في أدبياته. في السياق ذاته حاول الحزب تهميش الصفة السورية لمدينة عين العرب ـ كوباني، وقطع العلاقة بين ما يحدث فيها، وبين صيرورة الثورة السورية والصراع مع النظام. ولعل المتابع للإعلام، خاصة الغربي منه، يستطيع لمس ذلك بوضوح، ذلك أن الميدان الذي يمكن أن يتحرك فيه الإعلام هو الحدود التركية المواجهة للمدينة، والتي يتمتع فيها حزب العمال الكردستاني، وواجهته السياسية في تركيا حزب الشعب الديمقراطي، بنفوذ كبير. وفي الجانب السوري ألغى الحزب الفوارق التكتيكية التي كانت تفصله عن حزب الاتحاد الديمقراطي، ليصبح المشرف المباشر سياسياً على الإدارة الكردية داخل سوريا، وعسكرياً على المعارك ضد تنظيم الدولة. وكانت المحصلة لكل ذلك تغييب صوت اللاجئين السوريين الكرد، وتغييب انتمائهم لسوريا، وتهميش الأحزاب والمواقف الكردية التي تختلف معه، ليتصدر الحزب المشهد باحتكاره لمعركة الدفاع داخل عين العرب ـ كوباني، وقيادته للحملة السياسية الإعلامية خارجها، جاعلاً من المعركة بوابة لاستعادة شعبيته، ولتظهر قضية المدينة في المحصلة كقضية كردية بحتة منفصلة كلياً عن سوريا وثورتها وحربها ونظامها. وهو ما جاء موافقاً للتوجه الأمريكي الذي يفضّل تغييب المعضلة السورية لإخفاء أخطائه فيها، والتعتيم على مماطلته في إعلان سياسة واضحة تجاهها.
عناصر الاستقطاب القومي هذه سرعان ما وجدت أسباب نموها في فضاء من الحرب وانهيار المواطنة وانعدام الثقة، ما خلق بيئة عدائية بين أبناء القوميتين، رغم افتقار الصراع لأسس تاريخية وسياسية، وهي المسوغات التي تكفّل طيف من المثقفين العرب والكرد بنحتها في سعي، ربما غير واع، لتعميق الفصل بين الجانبين على أسس «علمية».
المثقف وفخ التأسيس النظري للتعصب
عادة ما يبدأ السقوط في التعصب من خلال منهجية قوامها الاختزال والتعميم، اختزال الآخر في صفة وتعميم هذه الصفة على جميع المنتمين لمجتمع الآخر. وفق هذه المنهجية اختزلت السنة، وأحياناً العرب السنة، بـ»داعش»، وبات كل سني «داعش»ي حتى يثبت العكس، واختزلت الشيعة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله، واختزل العلويون بنظام الأسد، واختزلت الثورة بجماعات متطرفة مناقضة لها، وكذا تم اختزال الكرد بالإيديولوجيات الأكثر تعصباً. ورغم أن الكثير من ممارسي هذا الاختزال هم من الضحايا إلا أنهم من حيث لا يدرون كانوا ينصرون أعداءهم. ذلك أن جعل الحرب على جميع السنة أو الشيعة أو العلويين أو الكرد هو بلا شك أفضل دعاية للمتطرفين الذين يدّعون أنهم خير من يمثل مصالح جماعاتهم.
بعض الكتاب، سقطوا وللأسف في هذا المطب المنهجي. فالكرد على تنوع انتماءاتهم الجغرافية والسياسية والحزبية والدينية، وعلى اختلاف تجاربهم المعاصرة، باتوا كتلة صماء بتاريخ معاصر واحد، وموقف ثابت. ولم يتورع بعض الكتاب عن التحدث باسم العرب، بل وباسم لغتهم، ليطالب الكرد بالتوقف عن استخدامها، معتبراً أن الأصوات الكردية المتطرفة هي الممثل «الحقيقي» عن الموقف الكردي، وراح البعض يبحث عن دلائل وإشارات تاريخية تثبت «حقيقة» التمايز بين القوميتين، والطعنات التاريخية التي نالتها هذه القومية من تلك. وكان من اللافت، والمؤسف، أن تصل الموجة إلى كاتب رصين كياسين الحاج صالح فيحاول اختراع خصوصية تاريخية في العلاقة بين الكرد والغرب لتفسير التوافق المرحلي القائم بينهما في مواجهة «داعش»، في إغفال لحقيقة أن الكرد لطالما اعتبروا أن الغرب، الذي حرمهم من الدولة، كان الداعم الأساسي للمستبدين الذين قمعوهم، وللعسكر الذين حرموهم من أبسط تعبيراتهم القومية، ولذلك كان الصراع مع الغرب عنواناً جامعاً لأكثر تنظيرات الأحزاب الكردية، وموضوعاً شائعاً لدى الجمهور الكردي. الأغرب أن صالح يقرر بثقة وجود موقف عدائي متبلور لدى جميع الكرد ضد تركيا، ويشبهه بعداء العرب لإسرائيل. رغم أن تركيا، البلد الديمقراطي الوحيد بين الدول التي تتوزع عليها خريطة الشعب الكردي، يحظى الحزب الحاكم فيها بغالبية أصوات الكرد، مقابل أقلية تصوت للأحزاب الكردية ومن ضمنها الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني. وهو ما يعني أن كرد تركيا عبّروا مرات عن تنوع مواقفهم، بما يخالف الأحكام النمطية. ناهيك عن العلاقة الوطيدة التي تجمع زعيم كردستان العراق وحزبه بتركيا، بينما لدى كرد إيران من قمع وبطش النظام الإيراني ما يكفي لجعل العداء لتركيا خارج أولوياتهم.
هذا التنوع في المواقف لا ينفي الشعور القومي الذي يجمع بلا شك الكرد في البلدان الأربعة، ولا يقلل من حقيقة التدهور الذي بدأ يصيب علاقة كرد تركيا بالدولة التركية على إيقاع جراح عين العرب ـ كوباني، وأخطاء أردوغان، وهو ما ينشط حزب العمال الكردستاني في استثماره، بعد أن نجح، عبر بطولات فتيانه وفتياته في مواجهة «داعش»، في تحقيق مكانة مركزية في الشارع الكردي، بل وتمكن كما يبدو من تقديم نفسه كممثل شرعي ووحيد للشعب الكردي حتى في عيون مثقفين نقديين. في وقت ساهم التعصب المقابل، الذي تجاوز نقد العمال الكردستاني لينال من الكرد عموماً، في التفاف الكرد حول الحزب، وهو ما وفّر له فرصة نادرة لاحتكار القضية الكردية، ليضع خصومه من كرد سوريا في موقف شديد الصعوبة. فأولئك الذين رفضوا استفراده بالسلطة وقمعه للرأي المخالف، والذين أخلصوا للثورة السورية، ومازالوا يعتقدون بأن سوريا ديمقراطية هي الحل الأمثل للسوريين على اختلاف قومياتهم وأديانهم، أغلقت في وجههم الكثير من الحواضن الاجتماعية، التي باتت ترى في حزب العمال الكردستاني في سوريا وتركيا، رافع راية الكرد، والمدافع عنهم في وجه الإجرام الاستثنائي لـ»داعش» من جهة، والموجات العنصرية التي تحيط بهم من جهة أخرى.
منذ بدأت الثورة السورية، وبدأ قمع نظام الأسد لها، شهدنا سلسلة متصلة من عمليات التنافس على صدارة المأساة، ولطالما دارت صراعات بين الثوار لأن بعضهم رأى تهميشاً لمدينة على حساب أخرى. ويبدو أن قضية عين العرب ـ كوباني تدخل في سياق هذه المفاضلة العدمية، لكن ارتباط القضية هذه المرة بعمل عسكري دولي، وبمنطقة جغرافية سورية تحمل بعداً قومياً، زاد من حدة المفاضلة، وأثار مخاوف من مشروع تقسيم لسوريا، التقسيم الذي يبدو أن حملات التعصب القومي لرافضيه، باتت الأكثر فاعلية في تجهيز أرضيته.
كاتب سوري

صادق أبو حامد