< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

لماذا تجاهلت الولايات المتحدة أزمة جنوب السودان رغم الحرب والدماء والجوع؟

واشنطن ـ «القدس العربي»: لا يبدو في الأفق بصيص نور ينقذ جنوب السودان من التعرض لعام جديد من الحرب والدماء والجوع بعد مرور سنة كاملة على اندلاع الاضطرابات العرقية بين القوات الموالية للرئيس سلفا ميارديت وتلك المناصرة لنائبه السابق رياك ماشار وبعد أقل من ثلاثة أعوام على استقلال البلاد.
استضافت جنوب السودان في وقت مبكر من يناير/كانون الثاني الماضي مؤتمرا لتشجيع الشركات الدولية على الاستثمار في الدول الغنية في محاولة للتطلع إلى مستقبل واعد يتمثل في بناء جسر اقتصادي مزدهر في مفترق الطرق بين شمال افريقيا وجنوب الصحراء. ولكن بعد بضعة أيام اندلع قتال عنيف بين الحرس الرئاسي في جوبا سرعان ما تحول إلى صراع عرقي داخلي على أساس عرقي مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من أبناء جنوب السودان مما أدى إلى ترك أكثر 1.8 مليون لمنازلهم من بينهم 450 الف لاجئ فروا من البلاد في تناقض صارخ مع التوقعات الواعدة في عام 2013 ولكي تزيد الأمور سوءا تواجه البلاد الآن وضعا كارثيا من انعدام الأمن الغذائي نتيجة الحرب الأهلية الجديدة والعنف المستمر.
الولايات المتحدة الأمريكية لم تبذل بدورها أي جهد حقيقي لإنقاذ جنوب السودان من المحنة الجديدة وبرزت واشنطن في موقف أقرب للانسحاب من مشاكل المنطقة بعد استقلال البلاد رغم علم الإدارة الأمريكية بأن عدم وجود نهاية للأزمة والصراع في جنوب السودان سيهدد المنطقة بأسرها مما يقوض أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى الارجح، ستزداد الأمور تعقيدا وسيصعب الوصول لحل مع مرور كل يوم إذا لم تلعب الولايات المتحدة دورا أكبر في محادثات السلام بين الأطراف المتنازعة وبعيدا عن التصريحات الموسمية الصادرة بين الفينة والأخرى من واشنطن فإن المفاوضات نفسها لا تبدو تشكل أولوية بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما أو حتى للمجتمع الدولي.
يعتقد المحللون الأمريكيون أن الوضع الحالي في جنوب السودان معقد للغاية لأن ميدان المعركة على أرض الواقع يجعل من الصعب الوصول إلى نتيجة للمفاوضات لأن كل طرف يسعى لتحقيق نصر عسكري كامل أكثر من اهتمامه بالحصول على تسوية عن طريق التفاوض. وهنالك اعتقاد بأن المصالح الإقليمية للدول المجاورة لجنوب السودان تساعد على إعاقة عملية السلام التي تقودها حاليا السلطة الإقليمية الحكومية الدولية المعنية بالتنمية « ايغاد « كما ظهرت مؤشرات على عدم الرغبة في فرض عقوبات على زعماء الصراع رغم التهديدات اللفظية المتكررة حول اتخاذ عقوبات عقابية.
يوضح المحلل الأمريكي ديفيد ابرامويتز نائب رئيس منظمة «هيومانتي يونايتد»، وهي منظمة أمريكية تنصب اهتماماتها على بناء السلام والحريات الإنسانية المتقدمة، ان «ايغاد « حاولت في الشهر الماضي التوسط في اتفاق مع التهديد بفرض عقوبات والتدخل العسكري إذا جددت الأطراف المعنية القتال ولكن لم يتم حتى الآن اتخاذ أي إجراءات متابعة في هذا الشأن رغم ان الوضع الإنساني وصل إلى حد خطر للغاية حيث يهدد الجوع مناطق شمال البلاد ونزح عشرات الآلاف في الأسابيع القليلة الماضية.
ويحاول المحللون فهم تقاعس الولايات المتحدة عن محاولة التوصل إلى حل شامل شامل لأزمة جنوب السودان، وقد علل بعضهم ذلك برغبة الإدارة الأمريكية لترك قادة المنطقة بلعب دور كبير لحل الكارثة رغم تأثيرها الواسع النطاق خارج الحدود ولكنهم لا يفهمون مثلا عدم تعزيز الجهود الدبلوماسية الأمريكية الدولية من خلال اتحاد دول ما يسمى بالترويكا وهي الدول المعنية بعلاقات قائمة منذ فترة طويلة مع جنوب السودان « النرويج، الولايات المتحدة، بريطانيا» أو على الأقل دفع المؤسسات الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة للقيام بذلك أيضا.
هنالك الكثير مما يمكن ان تقوم به الولايات المتحدة لإنقاذ جنوب السودان من محنته مثل حث « ايغاد « على الوفاء بالتزاماتها بشأن فرض العقوبات الموجهة لكل الأطراف المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان أو استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يتضمن حظرا على الأسلحة أو القيام بوساطة جدية وفرض سلسلة من المعايير والاختبارات والعقوبات الإقليمية والدولية.
ونعود للمحلل ابرامويتز الذي يرى بأن محادثات السلام تركز على نحو متزايد ومؤسف على الصفقات المتعلقة بقادة النزاع وهي استراتيجية مألوفة جدا في المنطقة ولكنها محكومة بالفشل وتترك بذور الأزمة القادمة كما انها تبتعد عن معالجة قضايا مهمة مثل المساءلة والحكم الرشيد وإصلاح القطاع الأمني كما ابتعدت الولايات المتحدة عن الاهتمام حول ضمان المساءلة عن العنف الجماعي الذي حدث في العام الماضي.
ورغم الاهتمام الكبير الذي تبديه الولايات المتحدة حول تعزيز ضمان أمن المجتمعات المدنية في العالم وخاصة في منطقة الشرق الاوسط إلا أنها لم تضغط بشكل جدي على رئيس جنوب السودان باستخدام حق النقض « الفيتو» ضد قانون الأمن الوطني الذي صدر مؤخرا ما يعني سقوط البلاد في طريق الدولة البوليسية كما لم تحرك الإدارة الأمريكية ساكنا حول التشريعات التي من شأنها الحد من عمليات المساعدة الإنسانية للتخفيف من معاناة الشعب.
وقبل أيام، ظهرت مقالة مشتركة لوزير الخارجية جون كيري ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس في صحيفة «واشنطن بوست» دعت إلى ضرورة ترك قادة جنوب السودان لخلافاتهم. وقد تحدث كيري ورايس عن الأمل الذي تبدد بعد «الاحتفالات السعيدة « بولادة جنوب السودان وخطر العنف والمجاعة على المنطقة بأسرها ولكنهما لم يقدما خطة جدية للتدخل في حل النزاع باستثناء الدعوة إلى حكومة انتقالية مع ولاية لخلق أجهزة أمنية تحمي كل أهل الجنوب بغض النظر عن العرق أو المواءمة السياسية والاتفاق على إعادة صياغة دستور جديد يركز على تحسين أسلوب الحكم، وهي جميعا تمنيات واقتراحات سابقة وبعضها في الواقع متأخر جدا.
ما الذي يمكننا فهمه من سياسة الولايات المتحدة تجاه جنوب السودان بعيدا عن تعليقات المحللين الأمريكيين؟ تقاعس واشنطن في جنوب السودان هو نموذج لحالة الانسحاب الأمريكية من القارة الافريقية، المصالح الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي هي أهم من الالتزامات الأخلاقية التي تتغنى فيها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لا يمكن الاتكاء على الولايات المتحدة لمساعدة الدول الفتية إذا لم تكن هذه البلدان مهددة بالتعرض لمحاولات نفوذ من دول متنافسة أو غير صديقة للولايات المتحدة وهي حالة تنسحب على معظم دول افريقيا جنوب الصحراء. الولايات المتحدة حرضت العالم ضد دولة السودان باعتبارها مسؤولة عن العنف والجوع والتطرف في الجنوب ولكن بعد الاستقلال ازدادت الأمور سوءا ولم تتدخل الإدارة الأمريكية لمعالجة الأزمة المتفاقمة مما يضع القضية برمتها في دائرة «ازدواجية المعايير».
قبل أيام، ظهر الرئيس الأمريكي باراك اوباما في حديث مثير للشفقة حول ضرورة دعم جهود السلام ونبذ العنف في جنوب السودان، وقد اختار اوباما لهذا الحديث ان يتزامن مع الذكرى السنوية لبدء الاضطرابات الدموية في البلاد وهي إشارة لا تدعو للارتياح تدل على ان الاهتمام الأمريكي بمعاناة شعب جنوب السودان لا تتجاوز المناسبات الموسمية التي تستدعي القليل من التصريحات الباهتة للضرورة الأخلاقية.

رائد صالحة