< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

الحيرة الوجودية في «كوثاريا»

لعل واحدةً من أبرز مهام السرد، والسرد الروائي منه بالخصوص، طرح رؤية إبداعية تحليلية، تسبر جوهر العلاقة الملتبسة والضرورية في الوقت نفسه، بين ذات الإنسان من جهة، وبين الحياة بكل ما تتضمنه من موضوعات وإشكاليات من جهة أخرى.
في رواية «كوثاريا» للروائي نعيم آل مسافر، والصادرة هذا العام عن دار ميزوبوتاميا في بغداد، نتابع بطلاً مصاباً بحيرة وجودية، جراء تراكم الأسئلة الشائكة في ذهنه، أسئلة لم يعثر لها على أجوبة «والويل لمن لا تسعفه الأجوبة». إضافة إلى هذه الحيرة الناتجة عن تلك العلاقة الملتبسة بين استعدادات البطل واستجاباته، وبين محيطه الحياتي المعقّد، تناقش الرواية قضايا أخرى متعددة، منها: قضية خريجي السجون والإصلاحيات، الذين لا يحضون ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، وأثرهم في المجتمع، في ظل غياب الدولة أو ضعفها. وكذلك موضوعة الحرب وما تجرّه من ويلات ورعب، وما تنتجه من أرامل وأيتام ومعاقين. إضافة إلى هاجس الهجرة خارج العراق، بوصفه المنقذ الوحيد من الواقع الضاغط.
تصنع الرواية مكانها المتخيل، مدينة اسمها كوثاريا، «ظلت تتنقل كغانية بين يدي ديكتاتور وآخر»، وهذه المدينة المتخيلة تستخدم في الرواية بوصفها تمثيلاً رمزياً وكناية سردية عن العراق بشكل عام.
تسري ظاهرة التمثيل الرمزي على أغلب مفاصل الرواية، حيث تستخدم الصفات والأسماء التي لا تشير إلى دلالاتها الحقيقية، وتعمل على صنع قرائن دلالية بديلة لها، الأمر الذي وسّع من سلطة الكناية والرمز في المتخيل السردي للرواية، ما أدى إلى خلق واقعٍ لغويٍ موازٍ للواقع الراهن، يشهد مجريات تُناظر أحداث ما بعد التغيير في العراق. كما تتجه الرواية إلى خلق مساحة خيالية شاسعة، يمكن تبريرها أحياناً بظاهرة تعاطي الكثير من شخصياتها لحبوب الهلوسة، التي تطلق عليها «عقاقير السعادة». كما أنها تنتج فضاءً تناصّيّاً مع قصة النبي إبراهيم والإله مردوخ، بعد أن كسّر الأصنام وعلّق الفأس على كتفه، وهو كبير آلهة كوثاريا القديمة.
البطل، الذي لا تخبرنا الرواية باسمه، هو من يقوم بمهمة السارد لأحداث رواية «كوثاريا»، وتبدأ في مزرعة خاصة بشخص اسمه (سمير)، كان نزيلاً مع البطل في عدة سجون عراقية. يكتشف السارد هناك أن سمير أصبح رئيساً لعصابة تمارس الخطف والقتل والتعذيب داخل مزرعته تلك، بعد أن يأتي إليها في عملية تشبه الاختطاف، من دون سبب واضح في البدء.
سمير شخصية ذات طبيعة عنفية، قضى حياة صعبة وطفولة مأزومة، توّجها بدخول السجن والإدمان على المخدرات. يتفاجأ السارد أن سمير ومن معه في العصابة من المجرمين السابقين، تحولوا إلى عبّاد ومتنسكين في الظاهر، ويمارسون جرائمهم تحت ستار الدين، وفي هذا تمثيل لظاهرة واقعية ملموسة.
يظهر بطل الرواية على أنه شخصية خانعة تابعة متلوّنة، لا يختار مصيره ولا يحدده بنفسه، بل يختاره له الآخرون والأقدار، يدخل الإصلاحية بناءً على رغبة أخيه الأكبر (ناصر)، الذي أراد الخلاص من الإعدام، فيعترف بدلاً عنه بارتكاب جريمة قتل. يصبح مستمعاً جيداً لقصص سمير خوفاً من بطشه، وهو السبب الذي يظهر في النهاية لاختطافه من قبل سمير، إذ أراد منه مواصلة هذا الدور معه. يكون حَكماً بين السجناء ليتجنب أذاهم. يرتدي أقنعة عديدة ويتحول إلى دمى مختلفة الأشكال بعد خروجه من السجن، بحسب الظروف المحيطة به، إلى أن نجده يعترف بأنه مصاب بداء «تعدد الشخصيات»، خصوصاً في بيئة ومحيط اجتماعي يغذي هذا الداء ويزيد من سطوته، ولا علاج يلوح في عينيه إلا الهجرة للعثور على الذات والخلاص من هذه الحيرة الوجودية التي تبتلعه.
أخيراً يهرب من المزرعة ومن كوثاريا، وهناك في الغربة «صار الصبح مختلفاً عن الليل لأول مرة في حياتي» كما يقول. ينتقل بين عدة بلدان، كانت كلها محطات في بحثه عن ذاته، لكنه يرى بالصدفة سمير على شاشة التلفاز وقد ترشح للانتخابات، فيقرر فجأة العودة إلى كوثاريا؛ لأنه أحسّ بأنه وجد ذاته الحقيقية، بعد أن اكتشف أن مهمة تحطيم الأصنام هي مهمة الجميع «لابد لكل منا تحطيم أصنامه الداخلية بنفسه حتى يحين الخلاص»، عاد ليواجه خوفه وقدره الذي اختاره هو، ولم يختره له أحد للمرة الأولى.
الفضاء الزمني للرواية يشير إلى سنوات ما بعد تغيير 2003 في العراق، الذي انطلقت فيه النوازع العنفية والإجرامية على أوجها، في ظل غياب الرادع القانوني، وانحسار سلطة الدولة لصالح اتساع سلطة الجماعات المسلحة، التي وصل بها التمادي إلى أن يقول بعض أفرادها «المستقبل لنا، نحن الواقع وكل شيء غيرنا مزيف». تسبر الرواية العالم السري للجماعات المسلحة، العابثة بحياة الناس وأمنهم، لكنها تشير إلى أنه عالم انتحال وزيف وخداع «الجميع فيه مزيفون، ليست هناك شخصية حقيقية»؛ لأن الجميع دائماً يتبعون الأقوى ويحاولون التشبّه به، كما يحاولون أيضاً تقمّص شخصية الديكتاتور السابق الذي كانوا يقبعون في سجونه!
يتقن السارد التماهي مع الشخصيات التي يحكي لنا عنها، فينقل أحياناً مشاعرها وخيالاتها أثناء إبحارها الوهمي في لحظات الانتشاء بالمخدرات. كما أنه يتقن محاورة الأشياء واستنطاقها، لكن ذلك خلق جواً شاعرياً في الرواية، وعطّل من تقدم السرد إلى الأمام أحياناً. لغة الرواية غير مباشرة في الغالب، يهيمن عليها الصوت المونولوجي، كما أن خطاب الشخصيات في حواراتها هو خطاب غير واقعي، تأملي أو حالم أو مشكك، ويسري ذلك على المقاطع التي يسلّم السارد الأساسي، أي البطل، فيها زمام السرد إلى بعض الشخصيات؛ للبوح بسرائرهم وذكرياتهم. وقد تتداخل أصوات الشخصيات وتختلط حتى لا يمكن الفصل بينها بوضوح، حتى كأنها صوت واحد، له ذات التجربة والوعي والرصيد المعرفي، خصوصاً لأنها شريكة في المعاناة والألم والواقع المرير.
سارد الرواية، إذن، هو سارد مشارك وعليم في الوقت نفسه، أي أنه يتنقل بين هذين الدورين، فكأنه يتخذ موقع المؤلف الضمني المهيمن على مجريات المتن الحكائي، لتمر جميع الأحداث والأصوات والتصورات من خلاله هو وحده.
زمن السرد متصاعد، يبدأ من لحظة اختطاف البطل من قبل العصابة، حتى الهرب خارج كوثاريا ثم العودة إليها طوعاً، لكن هذا الخط الزمني تقطعه استرجاعات عديدة، تعرض الرواية خلالها أحداثاً كثيرة، لها تأثير كبير في الوصول بالبطل إلى هذا الواقع المعقّد، وتلك الحيرة الوجودية التي وجد نفسه محاطاً بشراكها.
*كاتب عراقي

علي كاظم داود*