whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

سوق واقف: قلب الدوحة النابض بالحياة ومجرى الوادي الذي يشق مكانه بين مدينتين

الدوحة – «القدس العربي»: ثمة أماكن تمر عليها ولا تذكر من تفاصيلها شيئا وكأنها مجرد وهم، وأخرى تظل في وعينا لفترات ثم تختفي، وأماكن على عكسها تماما تظل تسكننا وتربطنا بها حميمية من نوع خاص، وتدغدغ مشاعرنا للعودة إليها أكثر من مرة، هذا لسان حال الكثيرين ممن يزورون الدوحة، وتحديدا حينما تطأ أقدامهم سوق واقف النابض بالحياة، في هذه العاصمة التي تصنع لنفسها مجدا وتشيده لتأسر به قلوب زوارها.
عند ولوج أي وافد لقطر مطارها الدولي، يسمع اسم السوق على كل لسان، ويرى ما يرمز له أينما التفت، ويقرأ عنه في أي دليل سياحي يقع بين يديه، ليجد نفسه منقادا وبحماس ليكون المكان أول وجهة له عند إنهاء إجراءات الدخول للبلد، ولتصبح زيارته سنة حميدة إذا عاد مرة أخرى، وكيف لا وهو يجمع في مكان واحد كل صور قطر.
سوق واقف يشق لنفسه مكانا يفصل بين أسوار المدينة القديمة التي لم يبق منها الكثير، ومشروع «مشيرب» أو الدوحة الحديثة والعصرية التي تستعد الدولة لدخول العشرية المقبلة بها. يجمع السوق بين العراقة والأصالة وبين المدنية الحديثة وبين التراث الضارب بجذوره في عمق مياه الخليج، بقصص وحكايات بعض من عايشوه منذ أزمنته الغابرة ما قبل طفرة النفط والغاز، وتفوح منه رائحة صيادي اللؤلؤ وهم يبيعون ما غنموه من رحلاتهم الطويلة في عمق المياه وسط الأعاصير.

تجارة على الواقف

يعتبر سوق واقف من الأماكن القديمة في قطر، لكنه خضع لعملية تجديد في التصميم مع الحفاظ على أصالته. وبدأت قصته الحديثة بأمر من «الأمير الوالد» الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي ارتأى أن يعيد للمكان وهجه، وخصص له ميزانية ضخمة حتى يستعيد بريقه ويصبح معلما يفتخر به أمام ضيوف الدولة.
وكان الأمير السابق كثيرا ما يلتقي به الناس وهو يمشي في السوق ويتوجه لمحلات المطابخ الشعبية لتناول أطباق مشهورة في المنطقة وكثيرا ما يكون برفقة قائد دولة زار الدوحة في مهمة رسمية. وتتحدث أم راشد وهي تملك مطبخا للأكلات الشعبية، ينتصف السوق عن أسماء الشخصيات الهامة التي تزورها لتناول الوجبات الخليجية المشهورة التي تقدمها لزبائنها وتحديدا «خبز الرقاق» الذي يستلذه كل من يتذوقه. هي تعرف بعضا من هؤلاء وكثيرين منهم لا تعرفهم، حتى يخبرها ابنها البكر إن كان موجودا عنهم، وعن الدول التي يحكمونها أو قدموا منها.
يؤكد العم راشد وهو أحد التجار القدامى في الدوحة، وجدناه يستمتع بطعم «الأرجيلة» التقليدية المصنوعة من أواني الفخار، أن السوق سمي بواقف لأن الباعة أيام زمان كانوا يقفون على جنبات الطريق ليبيعوا بضاعتهم المتعددة من سمك ومستخرجات البحر، إلى البهارات والأواني والحبوب، وحتى المشغولات اليدوية. وسر الوقوف حسب رواية المعاصرين للمكان هو وجوده في مجرب «وادي مشيرب» الذي يشق المدينة ويصب في البحر مع ارتفاع حركة المد والجزر فكان الباعة يخشون على بضاعتهم مما يجعلهم يبيعون وقوفا وأعينهم على البحر.

إحياء التاريخ بلمسات عصرية

حينما شرعت الدولة سنة 2004 في ترميم السوق الذي تجاوز عمره أكثر من 250 سنة، والمتربع على مساحة 20 ألف متر مربع، أوصى المكتب الهندسي الخاص الذي أشرف على المشروع، بضرورة استخدام مواد البناء ذاتها التي كانت معروفة سابقا، والحفاظ على الطراز المعماري، مع إضفاء مسحة عصرية عليه. يعتقد السائح لوهلة أولى أن السوق بني قبل مئات السنين لفرادة المكان وتشبعه بالتاريخ، مع حسن تصميم أبرز فن العمارة المحلية بحارات ضيقة وملتوية، كانت أحد الحلول لمواجهة الظروف الطبيعية القاسية، وتلطيف حرارة الجو صيفا ومواجهة الرياح القوية والقاسية شتاء، وفي مواسم البرد مع منح فسحة للضوء الطبيعي ليتسلل للشوارع والحارات الجانبية. حاولت إدارة السوق إرجاع المهن الشعبية التي كانت معروفة منذ القدم، وأعادت إحياء التي اندثرت أو أعرض عنها أهلها. منح المسؤولون للمواطنين العشرات من المحلات ليباشروا فيها أنشطتهم اليدوية مع تسهيلات وفرتها الدولة بتجهيز المكان بديكور مميز، ومجانية الكهرباء والماء ومن دون رسوم حتى يتم بعث تلك المهن التراثية من جديد.

أهل البحر والبر

أغلب المهن التي اعتمدها القطريون في السوق منذ إعادة افتتاحه تتعلق بالبحر، الذي عشقه الحضر منهم وتربطهم به علاقة وله، ولهم دراية بأسراره. تجد أسماء كثيرة ترمز لعالمهم مثل «الطواش» والنواخذة» و»عشيرج» تعلو لافتات محلاتهم. أهل البر والبدو، كان لهم أيضا نصيب من تلك المحلات من خلال المهن التي أجادوها وهواياتهم التي برعوا فيها. محلات كثيرة فتحتها إدارة المؤسسة لتهتم بوسائل الصيد ومتاعه وفنونه تتناثر في السوق، مع محلات التموين الغذائي والخضر، ليصل عددها مع الدكاكين 1200 واحدة بمختلف النشاطات، في صفوف ملتوية تشبه شكل الأسواق الشعبية التقليدية في الدول ذات التاريخ التليد.

وجهة سياحية بارزة

وضعت إدارة السوق خطة واضحة ليكون المكان وجهة سياحية بارزة وليس مجرد سوق تجاري، فكان أن عززت من الفنادق المشيدة حديثا مع احتفاظها بنفس الطراز المعماري التقليدي ليصل عددها إلى 10 فنادق، بعد أن كان السوق يضم في بداياته فندقا وحيدا لا تزال لافتته موجودة حتى الآن «بسم الله» ويضم فقط 6 غرف كانت تؤوي ضيوف الدوحة وهو ملجأ الزائرين أيام زمان كما ينزل به بعض الموظفين الحكوميين الأجانب في مهماتهم. ويستقبل السوق حاليا خصوصا مع لطافة الجو يوميا أزيد من 10 آلاف زائر ويقفز العدد ليتراوح في أيام العطل إلى نحو 30 ألف زائر. ويتجاوز هذا الرقم بكثير أثناء المهرجانات التي تحييها إدارة السوق في العطل المدرسية والمواسم ليصل حتى سقف 100 ألف زائر في اليوم، وجلهم يأتون من الدول المجاورة ومن مختلف أرجاء العالم ليطلعوا على تراث البلد الذي يتجمع في مكان واحد.

مطاعم ومقاهي العالم

خلال تجولنا في ناحية المطاعم والمقاهي الشعبية التي تمتد على الشارع الرئيسي للسوق رفقة عبد الله الملا وهو من مواليد منطقة السوق وبيت عائلته شيد عليه مطعم شامي معروف. يؤكد الرجل المتقاعد الذي يحتفظ بسجلات ومخطوطات لوالده «النواخذة» أن المكان كان يعج بالعديد من العائلات التي سكنت لأجيال وترعرعت في تلك الأزقة. وعاد بذكرياته للماضي ورافقنا في تلك الشوارع الضيقة ليحدثنا عن التحولات التي عرفها مع اللمسات الجمالية التي زينته.
حاولت إدارة السوق أن يكون هناك تنوع في أسماء المطاعم والمقاهي التي منحتها الترخيص لتجمع كل العالم في مكان واحد. تجد سلسلة مطاعم غربية فرنسية وإيطالية جنب المطعم المغربي وحولها اليمني ثم العراقي، فاللبناني، والمصري، والدمشقي، والتركي إضافة إلى المطاعم الخليجية والمأكولات الشعبية القطرية، والإيرانية، وغير بعيد عنها الأسيوية، التي تقدم جميعها نكهات مختلفة للزبائن.
يؤكد هشام الشاب المصري وعامل الشيشة الذي يعمل في مطعم لمأكولات البحر الأبيض المتوسط المفتوح 24 ساعة في اليوم أنه مستمتع بعمله في هذا السوق مما جعله يتعرف على أناس كثر من كل مكان. ويستدرك بأن النقطة المتعبة التي يواجهها مرات هي كثرة الزبائن الذين ينتظرون أحيانا لأوقات طويلة قبل أن يظفروا بطاولة فارغة مما يجعل الضغط يزداد على العاملين في المحل، مع رغبة الناس في الجلوس بسرعة والاستمتاع بأوقاتهم.

قهوة وأركيلة و»دامة»

يشتهر السوق إضافة إلى بعده التراثي بمحلات الشيشة المنتشرة في كل مكان والتي تحفز الكثيرين على القدوم لقضاء أوقات بعيدا عن ضغط المدينة وعن أسوارها وأبراجها العالية وبناياتها الزجاجية. يمنح المكان فرصة اللجوء إلى التاريخ القديم بعنفوان ذكراه، وصور الماضي المرسومة على رواد المقاهي المستمتعين بطعم الأركيلة. تسمع في كل مكان قرقرة المياه وهي تسحب مع نفس الشيشة ممزوجة بطعم المعسل المستخدم، والتي تحولت لأحد مظاهر الجذب للسياح الذين يغامرون بتجربة هذه الأجواء مع ارتشاف القهوة العربية. وفي دروب السوق ينتصب محل يتبع الجمعية القطرية للعبة «الدامة» المشهورة والتي يبرع فيها كثيرا البحارة فكانت أحدى هواياتهم للتسلية وتمضية الأوقات وهم في رحلات الصيد الطويلة في عرض البحر. وتستقطب الجمعية العديد من المولعين باللعبة التي تنتظم لها منافسات ومسابقات محلية ودولية وتلقى لها رواجا. وغير بعيد عنها يجلس شيوخ جلهم في خريف العمر على مجالس تقليدية في مقاه منزوية تجمعهم وجلهم من البحارة ومن سكان السوق القدامى يستذكرون رواياتهم عن بطولاتهم في البحر وصراعهم مع القدر الذي كثيرا ما حاول الغدر بهم، وتسمع تلك القصص على نفس «أركيلة قلة الفخار» الخاصة بهم والتي ترمز لهم.

أمن وأمان

يشعر كل من يتجول في السوق بالأمن ويتحرك بأريحية شديدة، والمحلات بعضها تبقي أبوابها مفتوحة وبضاعتها معروضة في الخارج من دون أي خوف أو وجل عليها. مع وجود رجال الأمن أو «الشرطة التراثية» ينتشرون في أرجاء السوق وهم يرتدون الزي القديم الذي عرفوا به هناك قبل ربع قرن من الزمان. ولا تتوقف حركة السياحة في المعلم البارز طيلة ساعات الليل والنهار مع وجود مطاعم تبقى مفتوحة على مدار الساعة. ويؤكد دريد مدير مطعم «لوجيرمة» أن المكان أصبح أحد مناطق الاستقطاب السياحي في الدولة لما يوفره من تسهيلات وخدمات لمن يرتاده وهو أحد الوجهات المفضلة لضيوف قطر. ويؤكد أن جل مدراء المطاعم يعملون من أجل المساهمة في هذا الجهد وتوفير متنفس جميل ومريح لسكان البلد وضيوفه ووافديه

مركز للفنون

وعاصمة للمهرجانات

استغلت الجهات المشرفة على السياحة في قطر شهرة السوق لتجعل منه عاصمة للفن والثقافة، بتنظيم مهرجانات ذاعت شهرتها وتبثها فضائيات على الهواء، وتم استقدام أشهر نجوم الغناء والطرب العربي الذين مر معظمهم من مسرح الريان الذي استقطب جمهورا واسعا يفد إليه من دول الجوار.
وفي قلب السوق ينتصب مركز الفنون الذي يستضيف الأنشطة الثقافية المتنوعة، إضافة إلى اقتنائه لمحتويات فنية راقية. ويفتح للجمهور الهاوي للفنون ورشا يومية وأسبوعية لتعلم الرسم والنقش والزخرفة ليفرض سحره على كل من يزوره، ويكون أداة جذب إضافية.

على ضفتي مدينتين

غير بعيد عن سوق واقف تبرز بنايات حديثة وفخمة على ظهره وكأنها تظلله وتخفف عنه أشعة الشمس الحارقة في فصل الحر، وهي تتنامى بوتيرة متسارعة. مشروع «مشيرب» أو قلب الدوحة الحديثة الذي تحاول السلطات القطرية أن تكون مدينة مستقبلية صديقة للبيئة فيها كافة التسهيلات التكنولوجية لمشروع عصري.
يشكل مشروع «مشيرب قلب الدوحة» نقطة تحول استثنائية في تاريخ وسط العاصمة القطرية، إذ أنه يعيد تقديم نمط الحياة القطري الأصيل في قالب عصري متميز يتمحور حول مبدأ العيش المستدام، حيث يتيح للسكان فرصة الترابط مع جذورهم الحضارية من خلال إحياء روح التآلف بين أفراد المجتمع. ويضم المشروع المتطور مزيجا من المساحات السكنية والتجارية والتراثية التي تشهد بإمكانية تحقيق الحداثة والحفاظ على الهوية الوطنية في آن معاً، فعلى الرغم من ساحاته الشاسعة النابضة بالحياة، سيتمكن مشروع قلب الدوحة من منح سكانه خصوصية هادئة وسط أحياء عصرية صاخبة. ويتميز بتصميمه المستدام الصديق للبيئة الذي سيساعد على استهلاك مصادر طاقة أقل، مولدا بذلك مخلفات أقل وبتكاليف قليلة، علاوة على قلة انبعاثاته الكربونية. ويوجز القائمون على المشروع أنه «مستوحى من الماضي، مصمم للمستقبل».

حميمية المكان

قبل أن يغادر الزائر سوق واقف يكون انطباع جميل سيطر عليه أعاد ذاكرته إلى الوراء، وشعور بالراحة يغمره، بالتوليفة الجميلة التي يجد فيها الكل ما يستمتع به من أنشطة وعروض وفعاليات ثقافية وفنية ورياضية مختلفة ومتنوعة.

سليمان حاج إبراهيم