< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

العام 2014 كان الأسوأ في ضياع الآثار العراقية

بغداد – «القدس العربي»: لم تمر على أي بلد في العالم حملة لتدمير آثاره مثلما مرّ على العراق في العام 2003 عقب دخول القوات الأمريكية إلى بغداد وفتح أبواب المتحف العراقي لتهرب بعدها أكثر من 14 ألف قطعة أثرية لم يتمكن العراق من إعادة أكثر من 2700 قطعة بعد أكثر من أربع سنوات من هذه العملية التي سعت لمحو الحضارة العراقية بالكامل. ويؤكد المتابعون أن هذا الرقم لا يشكل شيئاً مما هُرِّب ودمر ما تم جمعه على مدى عشرات السنين بعد التهريب الأول للآثار عقب الاحتلال البريطاني للعراق في العام 1914، فقد عُرضت الآثار العراقية في متاحف بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ونصب محلها تماثيل تشبه الآثار الحقيقية مثل أسد بابل وبوابة عشتار وغيرها.
من جانبه أعلن الدكتور عبد الأمير الحمداني، المدير السابق لمديرية آثار ذي قار عن سعادته لأن رئيس النظام السابق صدام حسين أهمل آثار ذي قار ولم ينقب فيها أكثر من 25 ٪ بسبب عدائه المباشر لهذه المحافظة التي كان يعدها معارضة لحكمه، في حين غير من شكل آثار بابل تماماً، ونحت على طابوق جدرانه اسمه وصفته، ما أدى إلى إعلان اليونيسكو عن إخراج الجنائن المعلقة من عجائب الدنيا السبع القديمة، وهو ما دعا ناشطون مدنيون إلى مطالبة اليونيسكو بإعادة آثار بابل إلى وضعها السابق ورفع الطابوق المزيف الذي وضعه صدام حسين خلال عامي 1988 و1989.
بين دخول القوات البريطانية في العام 1914 ودخول القوات الأمريكية في العام 2003 تاريخ طويل لم تسلم خلاله قطعة أثرية عراقية إلا وتم تهريبها أو فقدانها أو بيعها من قبل تجار بأسعار زهيدة جداً. ووثقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) في تقرير يقيم الأضرار في موقع بابل الأثري (أحد عجائب الدنيا السبع) استخدامه كقاعدة عسكرية لقوات التحالف من عام 2003 وحتى عام 2004، وهو ما يمثل تجاوزات اعتبرها تقرير المتحف البريطاني «أشبه بإنشاء معسكر يحيط بالهرم الأكبر في مصر أو بموقع ستونهينغ في بريطانيا العظمى». وجاء في التقرير أن أضراراً كبيرة لحقت بالمدينة الأثرية بسبب أعمال الحفر والقطع والقشط والتسوية، كما أن أبنية رئيسية تعرضت لأضرار «تشمل بوابة عشتار وشارع الموكب». الشارع الذي سار به ملوك بابل وشعبها وكهنتها، سارت فيه أيضاً الدبابات الأمريكية التي دمرت أرضيته وهشمت القطع الأثرية على جانبيه.
وتتمثل المشكلات المطروحة في التقرير في الإهمال وعدم توافر وسائل للصيانة. و»تظل الأبنية التي تم ترميمها في بابل في حالة سيئة، وخاصة معبد ننماخ ومعبد نابوشخاري ومعبد عشتار والبيوت البابلية والقصر الجنوبي للملك نبوخذ نصر، ومن الضروري بمكان إيلاء اهتمام لهذه الأبنية بصورة عاجلة».
في حين شهدت زقورة أور في محافظة ذي قار الإهمال نفسه، فقد بنت القوات الإيطالية ثكناتها العسكرية بالقرب منها، وكان الجنود الإيطاليون وقوات التحالف الأخرى تحتفل بأعيادها وهي تهرول على درجات سلم الزقورة التي تبلغ 150 درجة ما أدى إلى تآكل بعضها.
أما الجانب الأغرب في عملية المحو هذه، فقد حدثت في تسعينيات القرن الماضي، حينما سمحت الحكومة العراقية بالنبش والتنقيب عن آثار مملكة أوما، التي تقع بين مدينتي الفجر والشطرة في محافظة ذي قار (350 كم جنوب بغداد)، فقد ترك أهالي هذه المناطق عملهم وعوائلهم وهرعوا كالمجانين للبحث عن اللقى الآثارية، فعثروا على أختام أسطوانية وتماثيل وجرار وألواح لا يمكن إحصاء عددها، لكن الغريب في الأمر أن المسؤولين الحكوميين في تلك المناطق تركوا الأهالي ينقبون على هواهم، ومن ثمَّ يأتون إليهم ويدفعون مبالغ زهيدة من أجل العثور على هذه اللقى وتهريبها خارج العراق بمئات آلاف الدولارات، في حين لا يحصل الأهالي إلا على حفنة دولارات قليلة من أجل سد الجوع الذي كانوا يعيشون فيه على خلفية الحصار الاقتصادي الذي جعل المواطن العراقي يبيع أثاث منزله ليشتري الخبز الذي يشبع به أطفاله.
ربما نستطيع أن نضع مراحل تدمير الآثار هذه في زاوية واحدة، مقابل زوايا عدّة جاءت بعدها. ففي الزاوية الأولى لم يتدخل الدين في تدمير وتهريب الآثار، بل كان الدافع الأكبر من أجل نقلها إلى خارج البلاد، لتوضع في خزائن ومتاحف دول أخرى، أو لتباع من أجل الحصول على المال في المقابل. لكن المراحل والزوايا الأخرى اختلفت من جوانب عدّة، أولاً كان دافع تدمير الآثار والمواقع الأثرية دينيا، وهذا الأغرب حتى لحظتنا هذه، فبعد دخول ما يعرف بـ»داعش» إلى الموصل في الرابع من حزيران/يونيو من هذا العام، قامت جماعته الملثمة وذات اللحى الكثَّة بالتكبير والتهليل بسبب رؤيتها هذه الآثار، لتعدها فيما بعد أصناماً وأماكن للشرك، ففجرت ودمرت كل ما مرّت به.
فبعد هذا الاقتحام فتح الإرهابيون متحف الموصل، الذي يعد ثاني متحف في العراق بعد المتحف الوطني في بغداد، وقاموا بتكسير كل ما يحتويه، في حين أكد شهود آخرون على أن هؤلاء المسلحين قاموا بتهريب كل ما وقعت أيديهم عليهم وبيعه خارج العراق من أجل تمويل عملياتهم الإرهابية التي ينوون تنفيذهم في الطوائف والديانات العراقية، فبعدما قاموا بتهجير المسيحيين والأيزيديين كانوا ينوون التوسع لقتل كل شيعي في العراق، على حد قول مسؤوليهم.
لكن متحف الموصل لم يكن الأول والأخير الذي طالته يد «داعش» وجماعاته، ففي الرابع والعشرين من شهر تموز/يوليو الماضي، فخخت جامع النبي يونس وفجرته بالكامل بعد أن سجلت فيديو وضحت فيه كيف تمت العملية. وبعد قراءتنا لتاريخ هذا الموقع التراثي المهم، تشير الدراسات إلى أن هذا الجامع يعد من أبرز ملامح السياحة الدينية في نينوى، ففيه ضريح النبي يونس (ع) حسب ما يقول بعض المؤرخين، كما يضم أبنية أثرية كان المريدون وزوار المرقد يتخذونها مقاماً. ويقول مؤرخون: إن المكان ليس مرقد النبي يونس الحقيقي، وإنما هو مرقد لأحد الأنبياء السابقين، حينما كانت نينوى مركزاً دينياً، فيما يزعم عدد آخر أنه جزء من قصر الملك الآشوري أسرحدون الذي توجد آثاره تحت بقايا المسجد القديم.
ويبين المؤرخ الموصلي سعيد الديوه جي أن هذا الجامع مشيد على السفح الغربي من تل التوبة، الذي أنشئت عليه عدد من القصور والمعابد في فترات متباينة، كانت تشيد على أنقاض ما قبلها، وقد شيد الملك الآشوري أدد نيراري الثالث بن شمش أدد الخامس 850-782 ق.م قصراً في موقع الجامع.
أما تصميم المسجد بشكله المتدرج فيوحي بالصعود إلى الذات العليا، وهو ما لم يوجد في مساجد العراق على الإطلاق، فالراغب بالصعود، عليه أن يبدأ من الأسفل وشيئاً فشيئاً يبدأ رحلته حتى يصل إلى أعلى نقطة من المسجد التي يقع فيها الضريح، ومنه يبدأ الصعود مرة أخرى إلى الأعلى، وهو أسلوب عرف في العالم الإسلامي من خلال المساجد التي تبنى على شكل مدرجات، وهذا ما يفسر تعلق الموصليين بهذا المكان.. فهم يحرصون على زيارة «نبيهم» في كل الأوقات.
وبعد يوم واحد فقط من تفجير جامع النبي يونس، أقدم مسلحو «داعش» مساء الخامس والعشرين من شهر تموز/يوليو، على تفجير جامع النبي شيت وسط مدينة الموصل بواسطة عبوات ناسفة.
ويذكر أن هذا الجامع قد بناه أحمد باشا بن سليمان باشا الجليلي. ففي سنة 1057 كان الوالي على الموصل مصطفى باشا النشانجي وكان قد رأى النبي شيت في المنام ودل على قبره فأمر الحاج علي بن النومة أحد تجار الموصل أن يحفر على الموضع الذي رآه في المنام فحفر وأخرج قبره وبنى عليه الحاج علي المذكور قبة وصار يعرف بمرقد النبي شيت، حسب ما يشير بعض المؤرخين.
وفي اليوم نفسه، قاموا أيضاً بتفخيخ جامع النبي جرجيس وتفجيره، حتى لم يتركوا له أثراً على الإطلاق.
من جانبها، نددت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) إيرينا بوكوفا وأدانت التدمير «الهمجي» الذي يتعرض له التراث العراقي على يد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وذلك في تصريحات أدلت بها في بغداد، عقب هذه العمليات التي تريد محو التراث العراقي، وقالت بوكوفا في مؤتمر صحافي عقدته في المتحف الوطني العراقي، «العراق والشعب العراقي يمتلكان تراثاً ثقافياً هو من الأغنى في العالم وتعود ملكيته إلى كل البشرية. لدينا مواقع على لائحة التراث العالمي، لكن أيضاً ثمة الآلاف من المعابد والمباني والمواقع الهندسية والآثارات التي تمثل كنزاً للبشرية جمعاء».
وناشدت المسؤولة الدولية مجلس الأمن والمجتمع الدولي بأكمله بالتحرك الفوري لإيقاف تدمير التراث الحضاري العراقي، وحماية الشعب العراقي الذي ساهم من خلال تراثه الحضاري القديم في إنعاش التراث الإنساني.
لم يتوقف تدمير «داعش» لآثار الموصل على المتحف والجوامع الأثرية، بل قاموا بتدمير تماثيل لشخصيات قديمة من سكنة الموصل وهم، أبو تمام، الشاعر العربي الشهير، والملا عثمان الموسيقي القديم الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، إلى جانب ذلك، أزال المتشددون أيضاً بعض المناظر والمشاهد من المدينة التي تمتاز بها، حيث كان رجل يسير بالشارع يبيع شراب عرق السوس، التي تشتهر بها المدينة، اختطف المسلحون هذا الرجل وقتلوه بدون ذنب. كما أشار أحد المواقع الألكترونية، مضيفاً أن أحد نحاتي المدينة طلال النحات، يروي بألم لحظات تدمير تمثاله الذي نحته في سبعينيات القرن الماضي، وهو عبارة عن رجل يبيع شراب عرق السوس، واقفاً في إحدى ساحات الموصل الشهيرة، فيقول :»هذا التمثال أجد روحي فيه وأجد روحه بي، فهو صديقي وكل شيء بالنسبة لي، ولا استطيع أن أنسى وجهه وهو ينظر إلى المدينة بعلو رفيع».

صفاء ذياب