< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

المنخفض الجوي «هدى» سيمر بأربعة أجزاء من القرآن وبسيدة سورية قررت الثبات

ريف حلب ـ «القدس العربي» الذاكرة الضعيفة لوالد «هدى» المحتجز لدى تنظيم الدولة الإسلامية لم تسمح له بحفظ أربعة أجزاء من القرآن الكريم خلال الشهور الستة السابقة، وبالتالي فإنه يخضع لــ«دورة تحفيظ القرآن» مراراً دون ان ينجح بها، ويعيد الكرة تلو الأخرى دون أي بصيص من أمل أو أي لحظة مضيئة يرى نفسه فيها حراً طليقاً عائداً إلى بلدته المدمرة في الشمال الحلبي.
تقول «هدى» لـ «القدس العربي»: كيف سيحفظ والدي أربعة أجزاء من القرآن؟ وهو طوال حياته لم يحفظ سوى قصار السور التي يكرر تلاوتها في كل صلاة، بل كيف ستتمكن ذاكرته الهرمة من التقاط السور القرآنية العظيمة ونسخها على «الهارد» القابع داخل جمجمته منذ عشرات السنين دون صيانة أو تحديث، فخمسة وستون عاماً ليست بالقليلة، والذاكرة امتلأت بما لا يدع مجالاً لبشر أن يراكم فوقها أي شيء، حيث كان آخر ما نسخه الرجل على خلايا دماغه التي لم ولن تتجدد يوماً، هو صور الأشلاء بعد حفلة «برميلية» أقامها نظام بشار الأسد في البلدة المنكوبة.
تؤكد «هدى» أن والدها لن يحفظ الأجزاء الأربعة المطلوبة، والتي لن يفرج عنه تنظيم دولة العراق والشام قبل أن يحفظها، وبالمناسبة «هدى» ليس لها أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالمنخفض الجوي «هدى» الذي يخيم على منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام، بل هي لا تشبه أي عاصفة أخرى، فهي مثال الهدوء وقلة الكلام والحيلة معاً، تبتسم إن اضطرت لمجاملة أحد، وتؤجل ذلك في باقي الأوقات بحيث يعتقد من يراها أنها مجموعة من تراكمات القسوة التي مرت بذاكرتها المختلفة عن ذاكرة أبيها تماماً.
تبحث هدى عن الوساطات ممن يعرفون قادة تنظيم «الدولة» حتى يفرجوا عنه، فـ «الدورات التي يخضع لها لن تفيده مطلقاً، وإنما هي وقت يمضي مما تبقى من عمره دون فائدة، ومطالبته بحفظ أربعة أجزاء من القرآن الكريم كشرط للإفراج عنه تعتبر حكماً بالسجن المؤبد، رغم أنه ليس سجيناً عملياً فقد وصلتنا أخبار جيدة عنه، وأن وضعه يشبه ما يسمى «الإقامة الجبرية» لدى التنظيم في أحد مقراته في ريف حلب الشرقي».
المرأة الثلاثينية تقدمت بطلب عمل كمستخدمة في إحدى المؤسسات الإعلامية، وتم قبولها وأثبتت جدارة منذ اليوم الأول في عملها، إلا أن قصصها طويلة، فقد وصلت إلى تركيا منذ قرابة عام تقريباً كمرافقة لزوجها المصاب، وعلى الرغم من أن زوجها غادر المشفى الوطني في أنطاكيا، إلا أنه لم يشف بل أصبح مقعداً كالكثير من السوريين الذين لا أمل لهم باستعادة حياتهم، وأملهم لا يتجاوز أمل والدها في حفظ أربعة أجزاء من القرآن.
لم تنجب السيدة ولم ترزق بطفل بعد، وأخبرها الأطباء أن حالة زوجها الصحية لن تسمح لهما بالإنجاب مطلقاً، إلا أنها تتمسك بخيط من الأمل وتحرص على ألا تقطعه، كما تتمسك بزوجها بعد أن اتخذت قراراً بأنها لن تفارقه وستبقى إلى جانبه حتى يقضي الله أمراً، تعمل وتنفق على أسرتها التي لم تصبح أسرة بعد، كما وتنفق على ترتيب حاجيات منزلها الذي تبلغ مساحته مساحة غرفة واحدة من الغرف التي نعرف.
حالة سورية واحدة من آلاف الحالات التي تمر بظروف عاصفة منذ سنوات، فالعاصفة «هدى» ليست شيئاً جديداً على السوريين، لاسيما أولئك الذين يعيشون في المخيمات وبين كروم الزيتون على الحدود السورية التركية، فأية رياح شديدة تحدث ولو لبرهة تعتبر عاصفة بالنسبة لهم، وتخلع منزلهم القماشي الأنيق ليطير بعيداً، حيث يستقبلون المطر مباشرة بكل حيوية وقبول قد لا نتصوره نحن لأننا لم نعش التجربة ربما، أما هم فقد اعتادوا هذه الظروف، ولم ترعبهم «هدى» العاصفة هنا ولا أقصد السيدة هدى.. مطلقاً، بل إن من يقيمون في المنازل الحديثة في المدن التركية يشعرون بالخوف من العاصفة أكثر منهم.
ربما السيدة «هدى» وربما منخفض «هدى» يوقظ بعض ضمير متبقٍ في هذا الكون، لنقرأ عنهما، ونفكر بهما، فهما قضية واحدة تتعلق بشعب واحد ومأساة واحدة، وعندما نحفظ أربعة أجزاء من القرآن ومن ثم نطبقها، سندرك ما تعنيه العاصفة، وقد نعلم أيضاً لماذا ما زال الرجل العجوز يحتفظ ببعض أمل ويحاول بعد الرسوب في دورة تحفيظ القرآن السادسة.

محمد إقبال بلو