< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

هل يمكن تفسير السلوك الحضاري؟

كان هذا السؤال من الأسئلة التي وجهت لنا كمجموعات عمل أثناء الدراسة في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وهو من الأسئلة التي كانت تشغلني (و لم تزل): ما الذي يجعل مجتمعا ما متحضرا أكثر من الآخر؟ وأي عوامل تتسبب في تحضره أو تخلفه؟ وإنْ فهمنا العوامل كيف السبيل إلى التقدم؟ بعض الدراسات الانثروبولوجية القديمة كانت تفسر نشوء الحضارات أو ضعفها في مسألة المناخ. أي أن الحضارات في البلاد الباردة أقوى منها من البلاد الحارة حيث يميل الإنسان إلى الكسل وفق هذا التفكير بينما يكون الدماغ أكثر نشاطا فى أجواء البلاد الباردة. كذلك إنسان البلاد الباردة مضطر لتنظيم وتخطيط حياته وإلا مات من البرد والجوع على عكس البلاد الحارة الأسهل في هذا الصدد.
ومن السهل نقض هذه النظرية لأنها لا تفسر مثلا أسباب صعود حضارات في بلاد حارة مثل الهند أو الصين مثلا. وهناك نظرية الدكتور ريتشارد نسيت حول العلاقه بين الطعام والحضارة وتحديدا عن سلوك أَكلة القمح وأَكَلة الارز حيث يرى أن أكلة الارز يعنون أكثر بالتفاصيل على حساب الجوهر على عكس أكلة القمح. وأيضا النظريات الاجتماعية مثل نظرية ماكس ويبر الذي ربط فيها بين تطور الرأسمالية التي ارتبط فيها التطور الصناعي والمسيحية البروتستانتية.
وقد كتبت يومها دراسة مقارنة بين ثقافة العمل الشاق و(التوفير) في المجتمع البروتستانتي التي أدت، حسب فيبر، إلى تراكم رأس المال، ومجتمع السيخ في الهند الذي هو أيضا شكل نوع من ثورة (بروتستانتية) ضد الهندوسية. وقلل إلى حد كبير من هيمنة الإله معطيا مساحة أكبر للفرد في الخلاص الإنساني.
أعتقد أن طبيعة المجتمع العربي ذات التكوين العشائري تلعب دورا مهما في إحباط التطور الحضاري. ففي هذا المجتمع لا يوجد مكان للفرد إلا ضمن إطار المجموع. فهو مثل حبات الرمل لا قيمة لها إلا فى مجموع الرمل كله. ولذا فهو هناك غياب للفرد وطغيان للمجموع. والإنسان لا يترقى في المكانة في هذا المجتمع إلا من خلال الارتباطات مع العائلة أو الطائفة أو القبيلة. ولذا نلاحظ مثلا أن نسبة العصاميين، أي الذين يعتمدون على أنفسهم في التقدم في الغرب أعلى بكثير من الشرق. والسبب في نظري إن الفرد لا سبيل له إلا عبر جهده وقدرته على العمل الشاق الذي هو السبيل الوحيد لتقدمه.
وأظن أن نمط التفكير الشرقي هو نمط السياق والتفاصيل وليس نمط الجوهر. وقد لاحظت هذا الأمر مرارا من خلال حوارات ومناظرات وحتى في الأحاديث اليومية. إنه نمط يغرق فى السياق وفي التفاصيل إلى درجة كبيرة. وبالتالي يفقد القدرة على التفكير في جوهر المشكلة. وأنا بصراحة أعتقد أن قسما لا بأس به من المصائب السياسية التي عانتها بلادنا هو بسبب هذا النمط من التفكير الذي يغرق في تفاصيل غير ضرورية غالبا ما تكون على حساب جوهر الموضوع.
دعني أعطي هذا المثال من الحياة الاجتماعية. لنفرض أن شابين أراد كل منهما الذهاب إلى العمل في يوم بارد جدا. الشاب رقم واحد وجد نوعين من الجوارب كل واحد بلون. والأمر ذاته ينطبق على الآخر. أنا أرجح ان الشاب الذي سيضع في قدميه جوارب من لونين مختلفين هو الغربي لأن همه أن تكون قدماه دافئتين لا أكثر. أما الشرقي فسيتأخرعن العمل وهو يفتش عن جوارب بلون واحد. هذه النتيجة في رأيي تعكس نمط تفكير. المهم في ارتداء الجوارب هو الدفء وليس اللون، والجوهر هو تقديم أولوية الوصول إلى العمل في الوقت المناسب. وإنْ فُهم الأمر كذلك فلن يعود الشكل مهما. كما ليس مهما ما يقوله الآخرون. طبعا يمكن لنا أن نلتقط الكثير من الأمثلة من الحياة اليومية التي تظهر لنا أن العقل الشرقي يغرق في التفاصيل الشكلية التي ليس لها علاقة بجوهر الأمر.
وهذا يضعف فكرة السببية في التفكير. ومعرفة السببية تكمن في معرفة الأسباب المؤدية إلى ما حصل. والإغراق في السياق والتفاصيل يعيق ذلك، بل ينشط الخيال في خلق مبررات من نظرية المؤامرة وسواها ممن لا علاقة لها بالسببية أو تحليل الواقع كما هو.
قرأت مرة أنه عرضت على أناس من نمط التفكير الشرقي والغربي صورة لقطار وباص وسكة حديد. وطلب من الجميع أن يذكروا أمرين مترابطين في الصورة. جماعة التفكير الشرقي ربطوا بين القطار والباص وهو أمر صحيح كون الاثنان وسيلة للنقل. أما جماعة النسق الغربي فقد ذكروا القطار مع سكة الحديد حيث العلاقه سببية.

د سليم نزال