whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

في زقاق الحزن روميو في رومية

■ كقصيدة رثاء مرصعة بالحزن المقدس والدموع يخفق قلبي كلما دخلت إلى زقاق المخيم البائس، الذي حشر فيه لاجئون فلسطينيون منذ العام الثمانية والاربعين.
هذا المخيم أيامه مرصعة بذكريات الحرب والنار والدماء، والقتل على الهوية منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 82 إلى منتصف الثمانينات وحرب المخيمات وحصارها، الذي افتي فيه بضرورة اكل لحوم القطط والكلاب منعا لموت الناس جوعا. لم يعد بائسو شاتيلا من فلسطينيي النكبة إلى جيلهم الثالث والرابع من يسكنه فقط، فهو مدينة الفقراء والنازحين من اليرموك ومن هول المعارك في سوريا، ومأوى حتى للبنغال الذين لا يستطيــــعيون دفع أجرة شقق بيروت.
منذ زمن طويل قضت إصابتي في قدمي على كثير من نشاطي الدائب، فأنا لم ار المخيم منذ سنة أو اثنتين، لأنني بت احب البقاء في البيت في الجبل، فالبحر أمامي على مداه والجبل الذي يحوي تاريخ مغامراتي المشاغبة، أسكن في حضنه بكل طبيعته البكر وصيده وطرقاته الجبلية المرصعة بشجر الخروب، وكأني اريد أن أرتاح قليلا من قسوة الزمن والسفر ومكابدة الطرقات، فحتى سيارتي التي أحبها، احيانا أجد السياقة فيها من الجبل إلى بيروت القريبة مشقة كبيرة بقدمي الشمال.
دخلت إلى المخيم بخطوتي العرجاء، وكأنني أخط بقدمي سطورا من قصة حزن الزقاق العامرة، بكل ما يحملك على الضحك من شر البلية وعلى البكاء على الناس الذين لم يعودوا يشعـــرون ببؤسهم، فهم قد أدمنوه، وترى في تقاسيم وجه ذلك الزقــــاق فقر البيوت المكونة من غرفة واحدة لا تدخلها الشمس، ينحشـــر فيـــها جيش عائلي نازح، والجميع بابه مفتوح ليتنفس الهـــواء، والكل يعـــزمك على بيته بكرم. وزقاق الحزن في مخيم التاريخ الدامي هذا تقاطعها الشمس فحتى الشمس تميز ضد الفلسطينيين عنصريا فتنضح بالسنا حول المخيم وتغالب نومها صباحا، بل وظهـــرا في سمائه كما يقول مطر، وبقربنا جلست تغالب نومها شمس وتنضح بالســـنا من حولنا! فحتى الشمس تريد ان تكمل قصة جبل الجليد الذي يجمد ضمائر من يحتقرون المخيم ويحملهم على مواصلة الاعتداء على مستضعفيه، فقد أصبح للمخيمات اسم جديد في قاموسنا الممانع انها البيئة الحاضنة (للإرهاب التكفيري).
أهل المخيم البسطاء يلتفون خلف كل خطيب، يقدمون الدم بصدق في كل معركة، يفهمونها أو لا يفهمونها، فيكفي ان تذكر اسم فلسطين حتى يندفعــــوا بقلوبـــهم وشراييـــنهم، يحبون الوطن ويعشقون عيون يافا وحيفا، ويختصرون أسطر حياتهم الملفعة بالدم والدمع على متن اول رصاصة تطلق عليهم باسم فلسطين، فهم أجود من رأيت بالدم من ملحدهـــم إلى إسلاميــهم ومن يسارهم إلى يمينهم.
تجمع حولي الناس هذا يضرب كفه الصغيرة بكفي ويقول لي مس غادة تفضلي يريد أن يطعمني من حلواه البائسة المليئة بالاصباغ، وآخر أصبح مراهقا يوقفني ليبوح لي بكل قصصه، وهذا شاب يأتي لي بابنه ليقول لي حجة غادة شوفي ابني، وهذه أم خضر الطباخة اللبنانية الجنوبية، التي كانت تطبخ لفتح زمن الثمانينات، تدعوني لاتناول صحنا من طبيخ ساخن وإبريق شاي يصلح قطعة في متحف الثورة الفلسطينية، وهذا علي حسنين يضع لي الكرسي في دكانة الهايد بارك كما اسميها، وكلما دخل عليه أحد من الناس ليشتري خاض معه نقاشا واقحمني رغم انفي فيه. والناس متجمعون كل من فصيل ومن مذهب ثوري نتجاذب اطراف الحديث ونشاهد معا أي خبر جديد واكشن على تلفزيون علي المعلق على جدار المحل، وكلنا وقوف، ثم يواسيني بعد ان أعنفه بضرورة عدم التحدث مع الجميع، بسندويش يلفه وكوب من الشاي ويثرثر لي عن عائلته ويطلب مني ان اتحدث إلى زوجته أو أمه أو اخته، كي احل له مشاكله.
تناولت منقوشة الزعتر ومشيت أقصد بيت إحدى أرامل المخيم، إنها أم ايمن ذات السبعة أطفال، وكعادتي ألقيت السلام على جمع بالقرب من بيت ام ايمن لاصدم بأحدهم يقول لي حجة غادة كيفك؟ رفعت عينيّ إليه وسرعان ما اعدت النظر.. لأقول وأنا اقاوم ضحكة تكاد تعلن قهقهتها: عادل ماذا حدث لشعرك اخيرا انتصرنا، واشرت بشماتة بعلامة النصر وانا اضحك، فعادل هذا كان تلميذا مشاغبا تدمع عيناه فورا، إذا ذكرته بفلسطين، ويخفق قلبه لكل مواعظي التي ألقيها عليه، على طريقة «الفاست فوود»، وأنا أمر بالشارع، لاحقا تحول عادل هذا من مراهق بريء إلى عاطل عن العمل، ووجد ضالته في أحد الفصائل التابعة لنظام البطش السوري، وتحول إلى سكير ومدمن مخدرات وزير نساء، فهم يطلقون عليه روميو، وتفنن في فتح ازرار قميصه البائس ليعرض عقدا فضيا وطال شعره حتى اصبح يربطه خلفه كمقاتلي الكاوبوي في فيلم أمريكي، وهو يعلم أنني طالما نددت مغامراته وشعره، وكان كلما رآني مارة ارمقه بطرف عيني معاتبة وباكية عليه، يلحق بي ويقف كتلميذ مذنب ويقول لي حجة غادة خلص «بتوب بس سلمي عليّ»، فأكمل طريقي وانا ألعن دموعي غير المنضبطة أسفا على براءته التي أضاعها، كنت أعلم ان لعادل هذا قلب طفل بريء لوثته فصائل لا تعرف من فلسطين سوى اسمها وشعارها وريائها، قلت له بشماته أين شعرك؟ قال مقهقها: كنت في العمرة؟ انفجرت من الضحك فآخر من يفكر في العمرة هو عادل نظر في عيني ام ايمن السمينة وانفجرت بالضحك هي الأخرى بعد ان تراسلا المقلب قالت لي: عن جد كان في العمرة! ولا بد ان عادل قصد شيئا يخص المتدينين ولكنني لم احزره في أسوا احلامي، وضعت وجهي بين كفي وغرقت في الضحك. قال لي جادا كنت في رومية! انقلبت ملامحي وبانت الصدمة كصفعة على وجهي فما دخل عادل أو روميو برومية! فرومية هذا سجن سيئ السمعة شغل الرأي العام اللبناني، مليء بالإسلاميين بعضهم مظلوم وبعضهم مدان وكثير منهم قضوا ما يزيد على الخمس سنوات بلا محاكمة (اعتقال اداري) وأمضوا شطرا من شبابهم مظلومين وجلهم سلفيون أو متهمون بالانتماء لـ»القاعدة»، روميو في رومية! قال نعم يا مس غادة فقد خرجت من المخيم ونسيت ان أحلق ذقني وتركت شعري مهملا ومسبلا فأوقفني حاجز للجيش واخذوني إلى رومية، بعد ان ظنوني في «القاعدة»، وهناك الشباب ما شاء الله ما قصروا استقبلوني أحسن استقبال كسروا لي إبهامي واصابعي – وحلقوا لي شعري.. قلت له الله يعطيهم العافية الشباب، بس حلاق الدرك ورومية معلم، ومضيت ضاحكة وبقي عادل واقفا في الطريق ينتظر حبيبته التي تسببت له في رحلته إلى رومية فروميو يعيش في بيئة حاضنة (للإرهاب التكفيري).

٭ كاتبة فلسطينية

غادة الشاويش