< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

مطلوب انتزاع جذور الإرهاب في التراث الديني

كنت انوي تخصيص مقال اليوم لاستكمل بعض الآراء والحكايات الطريفة التي رجعت بها من «إجازتي» المصرية، التي لا تخلو كالعادة من مغزى سياسي أو اجتماعي، إلا أن ثمة مجرمين محسوبين على الإسلام والمسلمين أبوا إلا أن ينكدوا علينا بهذه المجزرة المروعة في مقر صحيفة «شارلي ابدو» في باريس، ما يستلزم زيارة جديدة إلى ملف شائك يفرض نفسه في بداية عام جديد.
ولكي تكون الزيارة جديدة حقا لقضية الإرهاب المتمسح بالدين، ينبغي الذهاب أعمق من اكليشيهات الإدانة أو التضامن المتكررة، والإقرار بأننا أمام جريمة فارقة، او (9- 11 فرنسية) سيكون لها ما بعدها، من قرارات أمنية وسياسية تتجاوز الحدود، لتؤثر على العرب والمسلمين في عقر دارهم، بل وقد تدخل في «الحرب الفكرية» المندلعة بالفعل داخل الخطاب الإسلامي ذاته.
وينبغي كذلك اسقاط الدعاوى المهترئة التي تحاول تبرير هذا العمل الإرهابي بأن «الغرب يرتكب مجاز اكثر بشاعة في بلادنا»، وهي حق يراد به باطل.
ويقدم القــــرآن نفســـه أفضل رد عليها في الآية المعروفة «ولا تزر وازرة وزر أخرى». والاهم ان نتوقف عن تصدير مشاكلنا الى الاخرين، وان نبادر طوعا في السعي لانتزاع جذور الشر والارهاب من التراث الديني، التي اصبحت تمثل تهديدا لوجود المسلمين انفسهم، قبل ان يضطرنا الاخرون لعمل هذا، بعد ان طالتهم ما تفرزه من جرائم وحشية.
وهنا ينبغي التوقف والنظر مليا في معطيات هذه الجريمة الجديدة، سعيا إلى التوصل لمعالجة شاملة، وليست أمنية فقط.
اولا- ان استنكار مجزرة «شارلي ابدو» او غيرها من الفظائع التي ارتكبها إرهابيون من تنظيمات مثل «داعش» أو «القاعدة» أو غير ذلك من اسماء جوفاء، يبدو نوعا من النفاق، اذا صدر ممن يدفنون رؤوسهم في الرمال، متجاهلين حقيقة ان التراث الديني المتمثل في بعض امهات الكتب يزعم وجود وقائع مماثلة حدثت في عهد رسول الاسلام بإقرار منه، ما يدخلها في اطار احد المصادر الرئيسية للتشريع وهي السنة النبوية. وللاسف لا تجد هذه القصص المزعومة من يرد عليها مما يعرف بـ»مراجع الاسلام المعتدل» خاصة الازهر، الذي يبدو أن لديه «حساباته الخاصة» في الامتناع عن الدخول في مواجهة فعلية مع التكفيريين. ومن تلك القصص التي تتناسب مع قضية «شارلي ابدو» تلك التي وردت في صحيح البخاري (ص391) عن قتل الشاعر كعب بن الاشرف بسبب هجائه للرسول، وقالت الروايات إنه بعث اليه برهط قطعوا رأسه، او تلك التي تزعم ان صحابيا يدعى عمير بن عدي الخضمي قتل شاعرة اسمها عصماء بنت مروان بسبب هجائها للرسول والاسلام، وحين دخل عليها وجدها ترضع طفلها، حسب الروايات، إلا أن هذا لم يمنعه من قتلها، وعندما سأل الرسول ان كان عليه من ذلك شيء، قال له «لا ينتطح فيها عنزان»، وقد وردت هذه القصة في كتب دينية معتبرة منها: سيرة بن هشام ـ الطبقات الكبرى، ابن سعد ـ المنتظم في التاريخ، أبو الفرج الجوزي ـ المغازي، الواقدي. فما موقف المرجعيات الإسلامية من تلك الروايات ، وما معنى سكوتها عنها؟ والى متى يستمر الازهر في تدريس تلك الكتب، بدون نقد او تمحيص، ومنها «الاقناع في حل الفاظ ابي شجاع» وهو كتاب فقه في تفسير المذهب الشافعي، يبيح صراحة كل ما ترتكبه تلك التنظيمات الارهابية من جرائم فظيعة في العراق وسوريا وغيرهما.
ثانيا- ثمة بعد سياسي لهذه المأساة، ان الارهابيين المتمسحين بالإسلام في اوروبا قد تربوا على ما يمكن تسميته بـ «الاسلام الاوروبي» الذي تنشره المراكز الاسلامية المدعومة سعوديا، وهذا في حقيقته يمثل الفكر الوهابي الاشد تطرفا، وقد غضت اوروبا النظر عن تلك المراكز وما يرتبـــط بها من وسائل اعلام، عرفانا بالجميل السعودي المتمثل في صفقات الاسلحة الضخمة.
ويعرف المقيمون في اوروبا ان بعض المسلمين هناك يعيشون حياة تنتمي في الحقيقة الى العصور الوسطى تحت زعم «اتباع السلف». ويشكل هؤلاء التربة الخصبة لنمو الفكر التكفيري وما يتبعه من عنف وكراهية وارهاب ضد مجتمعاتهم.
ثالثا- ثمة ارادة سياسية ناشئة لكن تزداد صلابة في مصر، تضغط على المؤسسة الدينية لاعادة صياغة الخطاب الديني، وبدا ذلك واضحا في خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرا في الازهر. ورغم اختلاف المواقف السياسية من النظام، فان دعوة كهذه تلقى دعما واسعا في مجتمع محافظ تقليديا، بعد معاناته من استغلال البعض الدين، إما لتحقيق أهداف سياسية او مصالح ضيقة، أو للتغطية على سفك دماء الابرياء بزعم «الجهاد» تحت راية التكفير. ويبقى السؤال، إن كانت تلك المؤسسة الدينية قادرة على ان تكون جزءا من الحل، أم انها نفسها هي اصل المشكلة، ما يحتم إعادة هيكلتها؟
واخيرا نكرر الإدانة لأي اساءة لاي دين او مذهب، لكن ما يتعرض له الاسلام على ايدي اولئك التكفيرين هو الاساءة الاخطر والتهديد الاكبر الذي يواجهه منذ ظهوره. فهل يتحرك المسلمون لانقاذه قبل فوات الأوان؟

٭ كاتب مصري

خالد الشامي