< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

نجيب محفوظ .. صداقة ممتدة للدكتور زكي سالم: صفحات لم تُفتح وحكايات لم تروَ

من النادر أن تجد صديقاً يرافقك لأكثر من ثلاثين عاماً من دون أن يكون بينكما خلافات وآراء متباينة، بل أن تبقى مستمعاً لهذا الصديق وهو يبادلك الإصغاء بقلب متفهم وبتقبل لبعضكما البعض حتى وإن كنتما من جيلين مختلفين. لكن هذا حدث بين نجيب محفوظ والدكتور زكي سالم.
على مدى أكثر من 150 صفحة، تحدث سالم عن علاقته مع محفوظ التي استمرت لأكثر من ثلاثين عاماً، فهو الشاب الذي يحب القراءة ولديه محاولات في الكتابة، ومحفوظ الروائي المعروف الذي شغل العالم العربي لعقود طويلة، لكن ما حدث أن التقى سالم بمحفوظ بعد أن راقبه لسنوات وليس لأيام، فكانت نتيجة هذه المراقبة والصداقة فيما بعد، الكتاب الذي أصدره الدكتور زكي سالم عن منشورات مجلة الهلال المصرية بعنوان «نجيب محفوظ.. صداقة ممتدة».
لم يكتب الكتاب بلغة أدبية تماماً، بل كان سياحة وافية في حياة نجيب محفوظ الخاصة، فضلاً عن المعلومات المهمة التي لم تعرف سابقاً عنه، ماذا يحب وماذا يكره، كيف كانت علاقاته مع الآخرين، ما المشاكل التي واجهها في حياته كموظف، وكيف عاش مع الوسط الأدبي والثقافي، كيف حصل على جائزة «نوبل» ومواقفه من السياسة المصرية، وغيرها الكثير.
يبدأ سالم كتابه بمقدمة عن أسباب تأليفه هذا الكتاب بعد رحيل محفوظ، خصوصاً وأن الجميع كانوا في انتظاره بعد صداقتهما الممتدة لعقود طويلة، فيقول في بداية كتابه: «في حدود تجربتي الإنسانية، لم أعرف طوال حياتي إنسانا مثل نجيب محفوظ، وكذلك لم أعرف صديقا مثله، فهو صديق جميل جدا، تعرف معه معنى المثل الشائع، «الرفيق قبل الطريق» فقضاء وقت برفقة محفوظ هو بالتأكيد من أمتع الأوقات وأجملها، هذه هي خبرتي معه على مدى نحو ثلاثة عقود متصلة، كانت أجمل ساعاتها هي تلك التي أقضيها معه، سواء كنا وحدنا، أو كان معنا عدد من الأصدقاء، لدرجة أن مجرد وجودي إلى جواره، وبدون حتى أن نتبادل الحديث، هذا الوجود الصامت ذاته، من أروع ما يمكن!».

محفوظ والعلاقة

بالوسط الثقافي

يؤكد سالم أن نجيب محفوظ كان مواظباً على الندوات الأسبوعية التي تقام في الأحياء الشعبية في القاهرة، خصوصاً ندوة الجمعة الثقافية، وعلى الرغم من أنه كانت له محاضرة أسبوعية، إلا أنه لم يجعل من نفسه وصياً على ندوته، و»لا يقول لهذا أصمت، ولا يقول لذاك تحدث، وإن كان له أسلوبه اللبق، وطريقته الذكية في توجيه مجرى الحديث أحياناً، أو تغيير مجراه في أحيان أخرى، كما كان يطلب رأي البعض في قضية ما، أو في موضوع مطروح للنقاش، ليدفعه للحـديث والمشاركة في الحوار، أو يسأل سؤالاً عاماً للحضور جميعاً».
ويضيف أن محفوظ الأب والأستاذ والمعلم، كان شديد التواضع والبساطة والرقة والجمال. إذ لا يشعر قط أنه أعلى من غيره، ولا يضع نفسه في موضع المعلم أو الأستاذ بالنسبة للآخر، فهو لا يتعامل مع أحد بصفته أقل منه، أو أصغر منه أو أدنى منه أو أشـياء مثل هذه النواقص البشرية.

دراسة محفوظ

أكمل محفوظ دراسته في كلية الآداب قسم الفلسفة، لكنه مع هذا ندم كثيراً على دراستها وكان يتمنى لو أدنه درس الأدب العربي، كما صرَّح بذلك لسالم، إذ يرى أن الفلسفة يمكن أن تدخل كعنصر ضمن عناصر أخرى كثيرة، تجتمع معاً لتشكيل العمل الأدبي الجيد، فـ»كنت أقول: حتى لو كان الأمر كذلك فعنصر الفلسفة هذا، يعد عنصراً مقدماً على غيره من العناصر، فكان يصر على رفض هذه الأولوية التي أعطيها للفلسفة، إذ إن الفلسفة أو الفكر بوجه عام، يمثل عنصراً، مثل أي عنصر آخر يتشكل منه العمل الأدبي».
ويورد سالم حكاية رواها له محفوظ أثناء تقدمه للكلية، واختياره قسم الفلسفة «ففي ذلك الحين كان عميد الكلية بنفسه، الدكتور طه حسين، يستقبل الطلاب الجدد، حتى يتأكد من خلال الحوار معهم، أنهم أحسنوا اختيار الدراسة في أقسام الكلية المناسبة لهم! وحين سأل العميد الطالب نجيب محفوظ عن سبب اختياره لدراسة الفلسفة دون غيرها، عبر نجيب محفوظ عن رأيه في أسباب اختياره لقسم الفلسفة وأهميته، عندئذ قال له د. طه حسين مداعباً، إنك حقا تصلح لدخول قسم الفلسفة، فكلامك غير مفهوم».
الأمر لم يتوقف عند هذا، فقد كان محفوظ يتمنى أن يكمل الماجستير والدكتوراه في الفلسفة، لكن اسمه كان سبباً لعدم اختياره في إحدى البعثات، فقد كانت اللجنة تتوقع أنه مسيحي، وأنهم أخذوا ما يكفي من المسيحيين في تلك البعثة، وهذا الأمر تكرر معه لأسباب أخرى في السنة الثانية، وهو ما حال دون إكماله للدراسات العليا في باريس. غير أنه درس الماجستير في جامعة الأزهر وتحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق، لكنه بعد شهور قليلة قرر ترك رسالته، و»ثمة مفارقة مدهشة، إذ كيف يمكن لك أن تتصور موقف الشيخ الجليل مصطفى عبد الرازق من تلميذه النجيب، عندما يخبره أنه قرر أن يتوقف عن استكمال رسالته للماجستير؟ ومن أجل أي شيء يتوقف عن إكمال دراسته التي قطع فيها شوطاً كبيراً؟ من أجل كتابة القصص والروايات! وقد سألت الأستاذ عن هذه المفارقة العجيبة، فقال لي إن الشيخ لم يتدخل في قرار الأستاذ، ولم يقل له شيئاً يعبر به عن عدم رضائه عن القرار، ولكنه كان يبدو أنه غير مقتنع به».

محفوظ الموظف

على الرغم من شهرة نجيب محفوظ ورواياته التي توزع في جميع أنحاء العالم، والأفلام الشهيرة التي صنعت منها، غير أنه بقي موظفاً منذ العام 1937 وحتى تقاعده في العام 1971. فمحفوظ كان يعد الوظيفة مهمة من أجل ضمان قوت عائلته أولاً، ولأنها تعطيه أفكاراً جديدة لرواياته وتغذيها بالشخصيات بدلا من صناعتها.
ويذكر سالم بعض الحكايات التي حدثت مع محفوظ خلال سنوات عمله الطويلة، قائلاً أن ثمة حكاية معبرة جداً، سمعها منه، وقد حدثت في منتصف الثمانينيات، أي قبل حصوله على «نوبل» بحوالي ثلاث سنوات، حين كان في الإسكندرية في الصيف، و»هو يتمشى على الكورنيش، صادف زميلاً لـه، من زملاء الوظيفة الحكومية، وهذا الزميل كان أكبر من الأستاذ سناً، وقد تحدث مع نجيب محفوظ عن مواد القانون الجديد للموظفين!…. سأل الرجل الأستاذ سؤالاً: «لقد شاهدتك يا نجيب في التلفزيون من عدة أيام، فلماذا ظهرت في التلفزيون؟» فقال: قلت له أن بعض برامج التلفزيون تستضيف أحياناً أناساً من الجمهور لسماع رأيهم!».
وحين أصبح محفوظ رئيساً لمؤسسة السينما، أصبحت له سيارة خاصة مع السائق، فتنازل عنها! إذ أنه اعتاد- طوال حياته الوظيفية- أن يذهب إلى عمله سيراً، ويعود إلى بيته سيراً أيضاً. وقد وجد أن هذه السيارة الحكومية ستمنعه من ممارسة رياضته اليومية، فتخلص منها فورا!. «هذا مع ملاحظة أن الأستاذ لم يمتلك سيارة طوال حياته، وإنما في مرحلة ما، عندما كبرت ابنتيه، ووصلتا إلى سن تعلم قيادة السيارة، ذهب معهما لتعلم القيادة، وتعلمها فعلاً، ولكنه لم يشترِ لنفسه سيارة خاصة».

حياته مع الرواية

لكل رواية من روايات نجيب محفوظ قصة مهمة، فبدءاً من «عبث الأقدار» مروراً بمجموعته «همس الجنون» وحتى آخر عمل له، كانت له مشاكل دائمة مع الرقابة والحكومة، لكن من أهم الروايات التي كانت سبباً لمشاكل معه «الكرنك» إذ يقول محفوظ عنها: «إذا كانت الكتب التي تتحدث عن جرائم عمليات التعذيب في السجون والمعتقلات، قد صدرت، لما أصدرت هذه الرواية». مضيفاً «كانت أكثر الروايات التي عانيت في نشرها. فقد قدمتها إلى محمد حسنين هيكل (رئيس تحرير الأهرام)، وبعد أن قرأها ظن أنها هجوم على عهد عبد الناصر، فحمل أصول الرواية، وذهب إلى توفيق الحكيم يشكوني إليه! ولقد اعترض الرقيب على نشر الرواية كما هي، ومن ثم حذف أجزاء، وفقرات، وتغيرت جمل! إلى درجة أن نجيب محفوظ وصل في النهاية إلى قرار بعدم نشرها، بعد كل ما حدث فيها من تشويه، لكن الناشر قال له إنها طبعت ولا يمكن التراجع». وبعد آخر رواية كتبها محفوظ «قشتمر» قرر أن يتوقف عن كتابة الرواية، قائلاً إنه قد لا يعود إلى كتابة الرواية مرة أخرى، و»قد شعرت بالفزع من هذا الخبر الذي قاله ببساطة شديدة! فشرح لي أنه يشعر بأن قدرته لم تعد تسمح له بمواصلة كتابة الروايات الطويلة، وأكد لي حينئذ، أنه لن يتوقف عن الكتابة، ولكنه سيكتب قصصاً قصيرة، أو روايات قصيرة، أو أشكالا أخرى! وهذا هو ما حدث بعد ذلك بالضبط، وعلى مدى نحو عشرين عاماً من الإبداع المتدفق».

جائزة «نوبل»

لم يكن نجيب محفوظ سعيداً بـ «نوبل» بعد إعلانها، فقد كانت سبباً لانتهاك حريته الشخصية، على حدِّ تعبيره، ومن ثمَّ هجمت أجهزة الإعلام المصرية والعربية والعالمية عليه، تلاحقه من كل ناحية، ولا تسمح له بالعودة إلى الحياة الهادئة التي كان يحياها قبلها. حتى «قال الأستاذ عن نفسه، في هذه الفترة، لقد أصبحت موظفا عند مستر نوبل!». و»لقد شاهدت الأستاذ وهو يعتذر، كل يوم، عن حفلات التكريم، وعن الأوسمة والنياشين والجوائز الكثيرة، وكذلك أعتذر عن أكثر من دكتوراه فخرية مقدمة من جامعات مصرية وغير مصرية!». وهذه الجائزة، والشهرة التي حصل عليها بسببها وبعدها، هي التي دفعت بعض الإسلاميين للإنتباه لرواية «أولاد حارتنا» لتنتهي تحريضاتهم إلى محاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، وكان لها تأثير سلبي على حياته فيما بعد.

صفاء ذياب