< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

أنس العاقب: فن المديح النبوي في السودان يتميّز بخصائص متفردة

الخرطوم – «القدس العربي»: نال أنس العاقب درجة الدكتوراه في عام 2006 من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عن رسالة بعنوان(الخصائص اللحنية الإيقاعية في موسيقى الطرق الصوفية في السودان). وفي عام 1976 إبتعث إلى جمهورية المانيا الديمقراطية لنيل الماجستير الذي حصل عليه بإمتياز عام 1978.
نال درجة ماجستير في الترجمة لكتاب من اللغة الإنكليزية إلى العربية بعنوان (مكانة الموسيقى في الثقافة الإسلامية حتى القرن الحادي عشر الميلادي) لمؤلفته الأستاذة العلامة المصرية سميحة الخولي. بهذه الخلفية يحدثنا عن فن المديح النبوي في السودان والذي يعتبر ثقافة أصيلة جذورها ضاربة في عمق الوجدان السوداني.

رسالة دينية

يقول الدكتور أنس إنّ مفردة «مديح» كمصطلح سوداني تعني وتدل على ذلك الفن الغنائي الذي ركز وتخصص في أداء ونشر رسالة دينية تهدف إلى نشر تاريخ وتعاليم الدين الإسلامي من منطلق التركيز على السيرة النبوية وآل البيت والصحابة منذ فجر البعثة والدعوة إلى الإسلام.
ويشير إلى أنّ فن المديح في السودان إرتبط بنشأة الطرق الصوفية بعد قيام السلطنة الزرقاء في مطلع القرن السادس عشر الميلادي. لكن هذه الطرق استقرت في بدايات القرن التاسع عشر وتعتبر الطريقة القادرية هي الأكثر إنتشارا لا سيما في منطقة الجزيرة وسط السودان.

المديح فن أصيل

ويرى أن المديح كفن أصيل لم ينبع من فراغ لأن المجتمع الذي خرج منه كانت له فنون غنائية متنوعة ذات خصائص متفردة في الشكل العام من حيث المقامية وأسلوب الأداء واستخدام الإيقاعات المختلفة والمتنوعة التي استمدها من الأقاليم التي تقع شمال ووسط السودان والتي يطلق عليها «الوسط» إصطلاحا. ويضيف: «وبهذه الخصوصية جمعت المدائح باقة من الإيقاعات التي كانت تشكل أساسا للأغاني الشعبية والمحلية وضمنتها ثقافة فن المديح وتنظيره ويمكن ان نورد الإيقاعات الستة الأساسية وهي: المربع، المخبوت، المعشر، الهمباتي، الحربي، الدقلاشي».

إيقاعات شعبية

ويلاحظ أن رواة المديح ومغنيه ميزوا عددا من تلك الإيقاعات الشعبية والمحلية بأن أطلقوا عليها أسماء مصطلحية خاصة بفن المديح وثقافته، فمثلا إيقاع «التم تم» الذي كان مرتبطا بمجالس الطرب واللهو أطلقوا عليه «الهمباتي» لأن الهمباتة وهم لصوص الجمال، كانوا يرتادون تلك المجالس ويغدقون عليها وبعد إنقراض «الهمبتة» بقي إيقاع «التم تم» الراقص وهو الذي يسود ما يسمى بـ «غناء البنات» وغناء قاع المدينة إلى أن صار الآن فنا جماهيريا علنيا.
ويقول د.أنس: «وهناك إيقاع السيرة الحماسي المشهور عند قبيلة الجعليين بشكل أساسي وهو موجود أيضا في قبائل شمال كردفان العربية وعند قبائل البجة في شرق السودان وقد استخدم هذا الإيقاع في المديح ويطلق عليه «الحربي». وأما إيقاع الدقلاشي فهو النمط الوحيد الذي تنفرد به قبيلة الشايقية النيلية في شمال السودان والأمثلة الدالة على التنوع الإيقاعي كثيرة ومتفرعة.
وتأسيسا عليه يمكن القول بأن النمط الإيقاعي يدل على المنشأ الذي نبع فيه وهذا لا يمنع أداء كل الأنماط الإيقاعية وشيوعها بين الرواة.

تفرد وخصوصية

ويضيف إنّ السودانيين ينفردون عن بقية الدول الإسلامية العربية والشرقية بفن مديح ذي خصائص ومكونات سودانية خالصة تتمثل في الإيقاعات ثم في المقامية الخماسية الصرفة وفي شكل بنائية قصيدة المدحة ذاتها أو ما يمكن تسميته بقالب الرواية وهو نص الشعر الذي يبنى عليه اللحن الذي لا يخرج مطلقا عن الصيغة اللحنية المتعارف عليها بين الرواة المادحين مهما اختلفت أقاليمهم، والإلتزام بها كنظرية ملزمة للجميع منذ طبقة بدايات القرن التاسع عشر وإلى طبقة المداح المعاصرين المحافظين على كلاسيكية الخصائص الثابتة عندهم.
وتجدر الإشارة إلى أن الطريقة الأحمدية التي قدمت من مصر هي التي ما تزال تؤدي مدائحها على نمط المقام الشرقي وإن تبين أن النفس السودانوي بدأ يؤثر على تنغيم الحس الشرقي وذلك بالإختفاء التدريجي للمقامية الشرقية الخالصة ولربما تتحول إلى مقامية جديده تحتاج للبت فيها بالبحث المقارن.
ويصف د.أنس أنواع الوسائط الإيقاعية المستخدمة في المديح مثل التصفيق باليدين وفرقعة الأصابع والنقر على العصى ثم بضرب الدفوف أو (الطار) كما يطلق عليه في مصطلحات المديح السوداني. ويقول «إنّ لضرب الطار في المديح خصائص وأساليب متنوعة ومعقدة لكنها ذات رنين متميز أخاذ وتنوعها داخل المدحة نفسها يتراوح بين الخفوت والعلو بحسب الأداء الصوتي بين المادح الرئيسي و»الزمال» الذين يشاركونه الأداء بقدر معلوم ومحدد».

أركان المدحة

ويقول :«للمدحة أركان ثابتة كأي فن غناء إنساني دينيا كان أو دنيويا، لأنها تعبر عن واقع مجتمعها وثقافته وتقاليده التي يفترض ان يحافظ عليها كجزء من تراث وطني إنساني. والأركان تتساوى في أهمية تكاملها كوحدة لا تتجزأ وهي «مطلع المدحة» ويطلقون عليه العصاة أو العصاية التي يجب أن تتردد بين كل بيت من أبيات المدحة وتنتهي بها. و»العصاية» هي شعار المدحة الذي يتعين ان يستعاد بواسطة الزمال ولربما ليشارك بأدائها جمهرة المستمعين.
الركن الثاني هو البدء بالتثنية أي الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الدخول في موضوع المدحة في ذكر تاريخ الدعوة أو السيرة النبوية ومعجزات الرسول وتمجيده وخلفائه وآل بيته وصحابته والدعوة للتحلي بأخلاقهم والتمسك بالقيم الرفيعة التي حض عليها الإسلام.
وفي الركن الرابع تختتم المدحة بالصلاة على الرسول وذكر أصحابه وخلفائه الأربعة وربما العشرة المبشرين بالجنة، ثم يلزم على الشاعر الراوي ان يشير باسمه أو لقبه أو كنيته، مؤكدا نظمه للقصيدة وحفظا لها من الإنتحال والتخلط وهو ما يسمى الآن حقوق الملكية الفكرية».

التجديد والتقليد

ولا يرى العاقب عيبا في إدخال المغنين وشباب المادحين الآلة الموسيقية بأنواعها على المدحة التقليدية بشرط المحافظة على الأركان الأساسية، لكنه يقول: «للأسف الشديد أن كل المؤدين الجدد فرادى وفرقا إستعاضوا عن أهم ركن وهو مطلع القصيدة (العصاية) بالموسيقى. كما أن بعض مشاهير المطربين نهجوا على أداء المدحة أداء فرديا (صولو) وإلغاء المطلع وبذلك تكون المدحة فقدت أهم عنصرين فيها، وهما تكرار غناء المطلع والأداء الجماعي، وبكل أسف فسدت المدحة وتحولت إلى أغنية دنيوية تدعو فقط للرقص والطرب»ّ.
ويقول إن المديح أخذ عن الأغنية الشعبية والمحلية بعضا من ملامحه فصارت جزءا من خصائص المدحة وهذا التداخل نسميه أحيانا المجاراة أو المباراة أو الإستلاف وهذا بالضبط ما حدث في المدحة نفسها وفي أغنية الحقيبة ذاتها ثم في العلاقة الوثيقة بين غناء المديح الديني وأغنيىة الحقيبة الدنيوية.

الجانب الروحي

ويرى العاقب أنه من الخطل والخطر إستعارة لحن مائع ثم تركيب كلمات برنين ذلك اللحن. ويضيف: «فمثلا كيف يقبل أن يتغنى بلحن أغنية يقول مطلعها ( جمال زي دا أصلو ما معقول) بمطل يمدح رسول الله قائلا (رسول زي دا أصلو ما شفنا )؟ هنا فقدت المدحة خصوصيتها الروحية بعد ان إختلت المعايير والمعاني والدلالات وللأسف مثل هذا التدليس العلني كثير جدا في ساحة الغناء الخربة».
وينتقد تناول المدائح في الإذاعة ويرى أنها ظلت حبيسة للبرمجة التقليدية منذ عقود والتي إقتصرت فيها المدائح على أوقات ثابتة ومناسبات دينية وإسلامية وحصرها على برنامج مجتهد لم يرتفع لمستوى الغوص في خصائص فن المديح ولم يشذ التلفزيون عن القاعدة التقليدية ويطالب بإدخال المديح في البرنامج العام لتتساوى مع الأغنية في أتاحة الفرصة للإنتشار واعتباره فنا أصيلا كاد أن يندثر بعد رحيل معظم رواده.

صلاح الدين مصطفى