< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

أمريكا التي نحبّها

كثيرا ما يتهيّأ لنا في عصر مثل عصرنا، حافل بحوادثه وتغيّراته الدائبة؛ وفيها كلّ ما يذهل العقل، أنّ العلم هو الذي يمتلك القوّة تفسيرًا وتنبّؤًا، وليس الفنّ أو الثقافة عامّة. ذلك أنّ الكاتب أو الشاعر، يكاد يعيش في عزلة هي أشبه بنوع من الإقامة الجبريّة في هذا العالم المتحوّل، حيث العلم مصدر للهيمنة وليس للسعادة. غير أنّه من مفارقات عصرنا، أنّ ما هو عقلانيّ في العلم، ليس معقولا بالضرورة في الأدب أو الفنّ أو الثقافة، من حيث هي أساليب وأنظمة رمزيّة تحويها ذاكرتنا الجمعيّة. ولعلّ هذا ما يجعل الثقافة في تجلّياتها الفنّية والأدبيّة، لا تحيا بفضل قوّة رمزيّة مزيّتها التنبّؤ؛ هي من أوهام الرومانسيّة، وإنّما باغترابها أو ضيق زمنها وانحسارها. على أنّنا ما نكاد نطمح بأبصارنا، أبعد إلى بلدان يعلو فيها شأن العــــلم، فإنّنا نلاحــــظ أنّه على قدر ذلك لا يعلو شأن العقل الكامن في العلم فحسب؛ وإنّما الثقافة أيضا، واغترابها يزيدها على ما يبدو وعيا بذاتها، لا تتقبّل أن يكون المسوّغ العلمي هو الموجّه الوحيد لحياة الانسان.
ونخال أنّ في هذا ما يفسّر كون عقلانيّة العلم، تتحوّل باستمرار من أهمّ قضايا الثقافات المعاصرة؛ وخاصّة في بحثها عن البقاء أو عن المعنى.
أمريكا مثلا هذا «الإله الوضعي» الجديد، كما أحبّ أن أسمّيها؛ ليست هذه الآلة العسكريّة الرهيبة التي تروّض عالم ما بعد الحرب الباردة، على طريقتها كما فعلت في العراق خاصّة ولا تزال. وهي ليست هذا «الإله» الذي يبسط سلطانه على العالم، فحسب؛ فللفن والسينما شأن وأيّ شأن في القارّة الجديدة. على أنّني اخترت أنّ أتحدّث عن الشعر في أمريكا الحديثة، هذا الفنّ الأقدم الذي لا يمكن أن ينقرض، وهو «لغة البشر الأمّ»؛ وقد ذهب في ظنّ كثير أو قليل من الناس، منذ أن ظهر الراديو أنّ الكلمة المسموعة يمكن أن تغنيَ عن الكلمة المقروءة أو المطبوعة، أو أنّ السينما ستصرف الناس عن قراءة القصص والروايات.
عدت هذه الأيّام إلى كتاب» أجنحة الماء» لصديقي المصري بدر توفيق، وهو أشبه بـ»بانوراما» مكثّفة لهذا الشعر الأمريكي الذي قرأته في الفرنسيّة وفي بعض ترجماته العربيّة. ولهذا الشعر ـ وأنا لا أملّ قراءته ـ ملامح خاصّة بدءا من عصره الرومنطيقي مع «لونجفيللو» و»يتمان» و»ديكنسون»، فاتجاهه إلى التصويريّة عند «روبنسون» و»كرين» و»لوويل» و»فروست»، فإلى الرمزيّة عند ت.س إليوت (وهو أمريكي المولد والنشأة والتعليم، حصل على الجنسيّة البريطانيّة عام 1927) وآخرين مثل» بيرمان» و»يليامز»… فالأساليب الواقعيّة الحديثة صورة وشكلا ومحتوى عند الشعراء المتحدّرين من أصول افريقيّة وآسيويّة أو من الهنود الحمر خاصّة مثل «صونج» و»جلانسي»… فضلا عن المشهورين مثل «رايت» و»ستراند» و»سيكستون»…
من هذا الشعر، اخــــترت لكم هذا النصّ البسيط في الظاهر، لـ»والت ويتمان»(1849ـ1892) وهو الشاعر الذي اتخذ من الحياة اليوميّة وتفاصيلها مادّة لكتابه «أوراق العشب»:
«عبرتُ ذات يوم من مدينة مزدحمة/حاولتُ أن أحفظ في ذاكرتي مشاهدها، معمارها، عاداتها، تقاليدها/ لكنّني الآن لا أذكر من تلك المدينة كلّها سوى امرأة قابلتها صدفة/ احتجزتني لأنّها أحبّتني/ صرنا معا نهارا بعد نهار، وليلة بعد ليلة/ لقد نسيت من زمان كلّ شيء سواها/ أذكر فقط أنني رأيت تلك المرأة التي تعلّقت بي بعاطفة جيّاشة/ ونحن نتجوّل ونتضاجع؛ ثمّ نفترق/ فتمسك يدي مرّة أخرى، لأنّني يجب أن لا اذهب/ أنا الآن أراها إلى جانبي بشفتين صامتتين حزينتين مرتعشتين».
هذه قصيدة تؤكّد، على بساطتها المراوغة، ما يسمّيه جون كوهين «الجوهر التأثّري» في الشعر أي إيقاع الأشياء والذوات. أعني ما يتلقّفه الوعي ونحن نتذكّر أو نحلم.. الحلم الذي يملأ كلّ أرجاء عالمنا الخاص أو ما يسمّيه علماء النفس «الذاكرة التأثيريّة»؛ فلا يتبقّى من هذه المرأة، امرأة ويتمان سوى أثر مخزون في الذاكرة لشفتين صامتتين حزينتين مرتعشتين.
ويتهيّأ لي أنّ أكثر الشعر الأمريكي، سواء انضوى إلى التصويريّة أو الرمزيّة أو الواقعيّة الحديثة، يجري في هذا المنحى الذي يتمثّل تجربة مَعِيشة في كلمات مَعِيشة، أو على أساس من المجاورة اللغويّة، حيث الكلمة وقد اتحدت بالكلمة كمن ضرب حجرا بحجر وقدح نارا.
والعالم الشعري هو العالم الإنساني، وليس الشعر سوى الخطاب الذي يصوّره أو يتمثّل حقيقته، ويشحذ تفكيرنا فيه؛ فنراه وهو يحيا. وأظنّ أنّ مثل هذا الشعر الأمريكي دعوة إلى «أن نحيا شعريّا».
:(تقول سارا تيزديل) 1884 ـ انتحرت عام 1933
«سأجمع نفسي داخل نفسي/ من جديد/ سأجمع نفسي الشتيتة لأجعل منها نفسا واحدة/ وسوف أدمجهما معا/ لتكون كرة بلّوريّة صقيلة/ من خلالها أرى القمر/ وأرى الشمس المتوهّجة».
ويقول روبرت فراوست 1874 ـ 1963:
أظنّ أنّني أعرف من يملك هذه الغابات/ كان بيته في القرية/ وكأنّه لن يراني وقد توقّفت هنا/ لأشاهد غاباته وهي تمتلئ بالثلج/ لابدّ أنّ حصاني الصغير يرى الأمر غريبا/ أن نتوقّف في مكان ليس به بيت ريفيّ/ بين الغابات والبحيرة المجمّدة/ في أحلك أمسيات العام/ إنّه يهزّ أجراس اللجام/ ليسأل عمّا إذا كان هناك خطأ ما». أجل هذه هي أمريكا الأخرى التي نحبّها.

منصف الوهايبي